يرجع أصل كلمة “الديمقراطية” إلى اليونان القديمة، وهي جوهرة الحضارة البشرية الممتدة لآلاف السنين والحلم والقيمة المشتركة للبشرية جمعاء.

وللديمقراطية أشكال مختلفة بسبب تنوع الثقافات والتقاليد لمختلف الحضارات والقوميات، وفي هذا السياق، نشأت من رحم الحضارة الصينية العريقة أفكار “سيادة الشعب”، المتمثلة في “السلطة للجميع” و”الشعب أهم شيء وتليه الدولة وبعدهما الملك”.

عندما كانت أوروبا تمر بالعصور الوسطى المظلمة، بلغ نظام “الشورى” في الدول الإسلامية مرحلة النضوج، بدليل ما ورد في القرآن الكريم “وأمرهم شورى بينهم”، لكن  بعض الساسة الغربيين اعتادوا على تقييم الأنظمة السياسية للدول بمعيار واحد، ويرون أن الديمقراطية مثل “الكوكاكولا”، له طعم واحد في العالم كله، وهذا الأمر بالذات يخالف المعنى الأصلي لكلمة الديمقراطية.

ما هو الطريق الديمقراطي الصحيح وكيف تتطور الديمقراطية الجيدة؟ ، لا يوجدأنموذج محدد في هذا الصدد، ناهيك عن القياس بالمعيار الغربي عند تقييم النظام الديمقراطي في بلد ما، يعتبر مدى سيادة الشعب المعيار الموضوعي والمحك لنوعية الديمقراطية وفاعليتها.

ظل الحزب الشيوعي الصيني منذ تأسيسه قبل مئة عام يعمل على الاستفادة من الإنجازات المتميزة للحضارات الصينية والعالمية، والالتزام بمفهوم “الشعب سيد البلد”، واستكشاف طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وتعميق معرفته لقوانين السياسة الديمقراطية، وإثراء المفاهيم والممارسات الديمقراطية، وتطبيق مفهوم “الشعب الأول”، مما أوجد طريق الديمقراطية الشعبية كاملة العملية، الذي يشمل الانتخابات الديمقراطية والاستشارة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي والديمقراطية على المستوى القاعدي والديمقراطية المدنية وغيرها من العناصر الديمقراطية، ويمتلك أنظمة متكاملة، ويضمن للشعب الصيني الديمقراطية الأوسع والأصدق والأنفع، كما يضمن له إدارة شؤون البلد عبر الطرق والوسائل المختلفة وفقا للقانون.

لم تكن الديمقراطية الشعبية كاملة العملية في الصين ديمقراطية سطحية أو شكلية، بل هي ديمقراطية حقيقية  تأتي بالسعادة والرخاء لعامة الناس.

في العقود الماضية، نجحت الصين في انتشال 800 مليون شخص من براثن الفقر المدقع، وصنع معجزة غير مسبوقة في مكافحة الفقر، كما أنشأت أكبر نظام للضمان الاجتماعي وأكبر شبكة للتأمين الصحي في العالم، والذي يغطي أكثر من مليار و300 مليون نسمة، كما أن التوظيف أهم شيء لمعيشة الشعب، وفي هذا السياق، نجحت الصين في خلق أكثر من 10 ملايين فرصة عمل سنويا لـ15 سنة متتالية، وهو ما يعادل عدد السكان لدولة متوسطة الحجم.

بالإضافة إلى ذلك، أكمل مليار و80 مليون صيني التطعيم بجرعتين من اللقاح، ويتابع 600 ألف المجتمعات القاعدية في كل أنحاء البلاد عملية التطعيم لكل مواطن.

وأكد الرئيس شي جبنبينغ في النقاش العام للدورة الـ76 للجمعية العامة للأمم المتحدة على أن “الديمقراطية ليست براءة اختراع لبلد معين، بل هي حق لجميع شعوب العالم”. وظلت الصين حكومة وحزبا تحترم الطرق التنموية التي تختارها شعوب الدول بشكل مستقل، ولم تصدّر يوما الإيديولوجيا والقيم والنمط التنموي، بل تدعو وتدفع لإقامة مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

يجب على الأنظمة السياسية المختلفة التعايش السلمي والمنافسة الشريفة والاستفادة المتبادلة والتكامل بالمزايا، بدلا من تصنيف دول العالم ببساطة إلى دول ديمقراطية ودول سلطوية، وفي هذا السياق، أدرك عدد متزايد من الناس أن الأنموذج الديمقراطي في الولايات المتحدة ليس كمالا، إذ إن هذا البلد يواجه الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية، مثل التمزق الاجتماعي واتساع الفجوة بين الطبقات والعنصرية وانتشار الأسلحة والمخدرات، ورغم كل ذلك، تتذرع الولايات المتحدة بحجة “الحرية” و”الديمقراطية” لإطلاق “ثورة ملونة” وفرض “مبدأ مونرو جديد” وتدبير “الربيع العربي” والتدخل السافر في الشؤون الداخلية للصين وسورية وغيرها من الدول، والتلويح بعصا العقوبات بشكل تعسفي، في محاولة لفرض “الديمقراطية الأميركية” على الدول الأخرى، لكن الجنود الأمريكيين أتوا بالحروب التي دمرت الحياة السعيدة لأبناء الشعوب المحلية، ولم يبق في أيديهم إلا الصوت الانتخابي، حيث شكل العراق وليبيا أمثلة حية في العقدين الماضيين على ذلك، وشنت الولايات المتحدة الحروب على أفغانستان والعراق بحجة نشر “الديمقراطية”، ما أدى إلى إراقة الدماء ونشر الحياة التعيسة، ولم تكن الديمقراطية الأميركية إلا لعبة لخداع الجمهور في الداخل، وأداة لفرض الهيمنة على الخارج.

أثبتت الهزيمة الكبيرة في أفغانستان مرة أخرى أن فرض الديمقراطية الأميركية على الآخرين طريق مسدود، وبما أن الانتخابات الرئاسية الأميركية كلفت 14 مليار دولار، فإن هذا الأمر يكشف أن الديمقراطية الأميركية ليست إلا ديمقراطية نقدية بامتياز.

في الآونة الأخيرة، قامت السلطات الأميركية بتنظيم ما يسمى بـ”قمة الديمقراطية”، سعيا للاصطفاف تحت غطاء الديمقراطية وتحريض الاستقطاب على أساس الإيديولوجيا، وادعت السلطات الأميركية بأنها لا تدعم “استقلال تايوان”، لكنها دعت في العلن سلطات تايوان للمشاركة في القمة، في محاولة لتوفير مسرح دولي لها، وهذا ما يدل بكل وضوح على أن هذا الاجتماع ليس إلا أداة للولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الجيو استراتيجية ومضايقة الدول الأخرى وكسب مآربها الأنانية.

لذلك،  سئم المجتمع الدولي من الديمقراطية الأميركية، ويتساءل الناس، كيف لبلد يعاني من العجز الديمقراطي الكبير أن يصبح “حكم الديمقراطية” ويقيم “قمة للديمقراطية”؟ .

يمكننا تلقي إلهام مهم من التجارب الديمقراطية الناجحة في الصين: لا يستطيع استنساخ النظام الديمقراطي للدول الأخرى، ولا تحتاج التنمية الديمقراطية إلى النصائح المفروضة من الآخرين. بعبارة أخرى، إن الديمقراطية المناسبة للبلد هي التي تتجذر من هذا البلد وتأتي بالسعادة لشعب هذا البلد.

في عالمنا، لا يوجد أنموذج ديمقراطي ينطبق على جميع الدول، ولا يوجد نظام ديمقراطي مثالي أو متفوق على الآخرين، بل يجب على الديمقراطية جس نبض الشارع، والاهتمام بحاجاته وسعادته، بدلا من الإدلاء بالكلمات الرنانة والجوفاء والبعيدة كل البعد عن الشعب.

لقد أدرك الشعب الصيني منذ زمن ألاعيب بعض الساسة الغربيين لاحتواء ومضايقة الصين بحجة “الديمقراطية”، وأثبت السجل السيئ لأميركا أن ما يسمى بـ”منارة الديمقراطية في العالم” على وشك الانطفاء، والولايات المتحدة لم ولن تكون ” أنموذج الديمقراطية” للعالم.

صحيفة الوطن