أحمد الدرزي

أثار موقف تركيا السياسي الحاد الذي أعلنته في الرد على بيان مجلس الشعب السوري الذي تأخر أكثر من 7 عقود حول مسألة سلب لواء إسكندرون الكثير من الأسئلة حول البيان نفسه، وحول الرد التركي. ولكنّ الرد التركي الأكثر إثارة للأسئلة هو ما جاء على لسان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار من إدلب المحتلة، والذي حمل مجموعة من الرسائل الاستعلائية على الموقف السوري المستجد، وخصوصاً نوعية الرسائل التي حملتها تصريحاته، فما هي الرسالة الأهم لذلك؟

على الرغم من مضي 72 عاماً على استيلاء تركيا على لواء إسكندرون، بالتواطؤ بين فرنسا وتركيا، وهو ما أدى إلى استقالة الرئيس السوري آنذاك هاشم الأساسي، احتجاجاً على فصل أهم قطعة من الدولة السورية عنها، فإنَّ قضية اللواء لم تكن من أولويات كلّ الإدارات السياسية السورية التي تعاقبت منذ العام 1939، وخصوصاً بعد إنشاء الكيان الإسرائيلي الَّذي يحمل في أسس تأسيسه تهديدات وجودية لبقاء الدولة السورية المستحدثة، ما دفعها إلى أن تجعل من قضية فلسطين التي تعتبر الجزء الجنوبي من سوريا أولوية قصوى، منعاً من الدخول في مواجهتين مجتمعتين، إضافة إلى حسابات أخرى.

وعلى الرغم من محاولات الانفتاح على تركيا في العشرية الأولى من هذا القرن، فإنَّ نتائج هذا الانفتاح لم يمنعها من التدخل بشكل واسع في الحرب على سوريا كرأس لحلف الناتو، واستثمار ذلك لبناء المشروع التركي الطموح لاستعادة الدور التركي شرقاً، ولو أدى ذلك إلى احتلال مناطق واسعة من سوريا والعراق، وهو ما فعلته تركيا بعد دخول جيشها والجماعات السورية والدولية المسلَّحة لاحتلال مناطق واسعة من الشمال السوري، لتصل إلى حدود 10% من مجمل الأراضي السورية.

 قبل كلّ شيء، ينبغي لنا أن نفهم كيف يفكّر العقل السياسي التركي كي نستطيع أن ندرك حدود السياسات المتبعة تاريخياً وفي العصر الحديث، وهو في الأساس نتاج تجربة إمبراطورية عمرها أكثر من 500 عام، إضافة إلى السيطرة المباشرة على القرار السياسي للمنطقة الممتدة حتى شمال أفريقيا منذ القرن الهجري الثاني حتى مطلع القرن العشرين، وهو ما أشعرَ العقل السياسي التركي بأنّ اتفاقيتي “سايكس بيكو” و”لوزان” نزعتا من الأتراك مناطق يعتبرونها حقاً طبيعياً لهم وجزءاً لا يتجزأ من دولتهم. ومن هنا تأتي حدة الهجوم على الدولة السورية، التي يعتبرونها الجزء الأهم من إمبراطوريتهم المتوخاة، وبوابتهم إلى الخليج وشمال أفريقيا.

الصدمة المتمثلة بتقليص وجود الدولة العثمانية بعد التدخل الغربي الواسع الذي استند إلى تأكل الإمبراطورية داخلياً، بفعل السياسات التي اتُبعت على المستوى الاقتصادي والذهاب نحو التتريك، إضافة إلى الصراعات الداخلية الدموية بين الإخوة والأعمام، وسيطرة الجواري على القرار السياسي للدولة، دفعت العقل السياسي التركي إلى تبني المسألة القومية كأيديولوجيا والنظر نحو الشعوب التي يعتبر أنها ساهمت في تمزيق الدولة كشعوب خائنة، فاتخذ منحى شوفينياً عنصرياً استعلائياً تجاه الأرمن والعرب والكرد واليونانيين بشكل أساسي، ولم يقارب العثمانيون مسؤوليتهم عما وصلت إليه الإمبراطورية. ومن هنا يمكننا أن ننظر إلى تصريحات وزير الدفاع من منطلق الاستعلاء على دول المنطقة وشعوبها، وليس الدولة السورية فقط.

 تمثل هذه التصريحات البعد السياسي للعقل السياسي التركي، بغض النظر عن الانتماء الحزبي وأنماط التفكير، وهي سياسات لا تعبّر عن سلوك الرئيس التركي وحزب “العدالة والتنمية” فقط، بل عن أغلب السياسيين الترك أيضاً، مع الاختلاف البسيط حول استثمار ما تم تحقيقه في لواء إسكندرون وبقية المناطق، بما في ذلك المكاسب التي حققوها في القوقاز، وهم لن يسمحوا لأحد بالتفكير، والتحرك تجاه ما فعلوه في هذه المناطق، وخصوصاً أنَّ الدول الغربية لا تمانع حقيقةً سياسات الاحتلال التي تتبعها تركيا في المنطقة، ما دامت تصبّ في مصالحها على المستوى الاستراتيجي.

تأتي هذه التصريحات كرسائل لدول الجوار، في سياق الدفاع عما أنجزته أنقرة من احتلال إدلب ومناطق واسعة من الشمال السوري، لتؤكّد أنَّ مصير المناطق التي احتلّتها لن تكون إلا كمثيلتها في لواء إسكندرون، وهي لن تخرج منها أبداً، كما هي التجربة السابقة في سوريا، وكما هي التجربة الأقرب في قبرص، التي غزتها في العام 1974، وقسمت الجزيرة من الناحية الفعلية.

وعلى الرغم من عدم اعتراف أيّ دولة بالشمال القبرصي التركي، فإن تركيا لم تتلقَّ طلباً جدياً ضاغطاً للخروج من قبرص، وهي تعتمد على تكرار التجربة نفسها في إدلب والشمال السوري، بالاستناد إلى أهمية تركيا الاستراتيجية للدول الغربية، إضافة إلى الاستثمارات الغربية الكبيرة فيها، والتي تمنعها من اتخاذ موقف حقوقي تجاه السياسات التركية بشكل عام.

 تحوَّل الاحتلال التركي الجديد لمناطق الشمال السوري إلى نمط التهديدات الوجودية، ليس لبقاء الاحتلال وتكرار تجربة لواء إسكندرون، بل إلى تهديدات تتعلّق ببقاء الدولة السورية بذاتها على المدى البعيد.

الأمر يتطلب مقاربة مختلفة عما سبق، ويحتاج إلى التعامل مع قضية الشمال السوري المحتل بمقاربات مختلفة على المستوى الدولي والإقليمي مع الدول التي تُعتبر حليفة أو صديقة لسوريا، وخصوصاً من جهة وجودها بشكل فاعل في قمم أستانة بين الثلاثي الروسي التركي الإيراني، ويتطلب أيضاً من الدولة السورية ومن كل القوى السياسية التي تمتلك وجوداً على الأرض، العمل على تقوية الجبهة الداخلية، وتحديد الأولويات تجاه التهديدات الوجودية، وهي تتمثل بـ”إسرائيل” وتركيا في الدرجة الأولى، وهو ما لن يتم في ظلّ السياسات التي يتبعها الجميع، الذين عليهم الذهاب نحو حوار حول سوريا المستقبل بعد أن تضعضعت قيمها الوطنية إثر الحرب عليها.
الميادين