أيهم مرعي

لا تؤشّر معدّلات الهطولات المطريّة في سوريا هذا العام، إلى موسمٍ وافِر، ما يعزّز المخاوف المتصاعدة من استمرار موجة الجفاف للعام الثاني على التوالي، مع ما يشكّله بقاؤها من خطر على الزراعة والثروة الحيوانية، ومصادر مياه الشرب، وخاصة المحطّات التي تتغذّى من نهر الفرات، الذي جاء، فوق ذلك، خفْض السلطات التركية للوارد المائي الآتي منه، وتسبّبها بخروج العديد من مشاريع الريّ عن الخدمة، وإضعاف الجهود الحكومية الرامية إلى ترميم شبكات الريّ، ليزيد الطين بلّة. كما فاقم انقطاع التيّار الكهربائي لساعات طويلة، والشحّ في توفير المحروقات لتشغيل المولّدات، الصعوبات بوجه المزارعين، حيث غدت القدرة على تشغيل محطّات الريّ الحكومي والآبار السطحية والجوفية الخاصّة، محدودة جداً.

ومنذ شباط 2020، خفّضت تركيا حصّة سوريا من مياه نهر الفرات من 500 متر مكعّب، إلى نحو 200 متر مكعّب فقط، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض مستوى بحيرتَي الأسد وتشرين إلى 7 أمتار، وبالتالي تراجع توليد الكهرباء من سدّ الفرات إلى أقلّ من النصف، وخروج قنواتِ ريٍّ ومحطّاتِ مياه شربٍ في دير الزور والرقة وريف حلب عن الخدمة. وعلى رغم عقْد الجانبَين السوري والعراقي عدّة اجتماعات تنسيقية، بهدف الضغط على تركيا لوقف إجراءاتها تلك، والتوقّف عن بناء السدود التخزينية على امتداد مجرى النهر، إلّا أن ذلك لم يُغيّر من الواقع شيئاً، باستثناء زيادة محدودة حصلت خلال الأسبوعين الأخيرين. وبينما يعتمد أكثر من ثلُثي المساحات الزراعية في محافظة الحسكة على الهطولات المطرية، وخصوصاً محصولَي القمح والشعير، إلى جانب مياه السدود، للإرواء، تتّكل محافظتا الرقة ودير الزور على مياه نهر الفرات بشكل كامل، ضمن ما يُعرف بمشاريع الريّ الحكومي. وأدّى شحّ الهطولات إلى تناقص ملحوظ في مياه السدود في الحسكة، مع ضعف في إنتاجيّة الآبار الجوفية والسطحية، وهو ما ظهر من خلال تراجع تخزين سدّ الحسكة الجنوبي من 605 ملايين متر مكعّب في عام 2019، إلى أقلّ من 220 مليون متر مكعّب في العام الحالي، مع وجود احتمالات بالوصول إلى «المستوى الميّت»، في حال استمرار موجة القحط. وفي هذا الإطار، يؤكّد الخبير الجيولوجي، عزيز ميخائيل، في حديث إلى «الأخبار»، أن «موسم الجفاف العام الفائت، وتأخّر الهطولات المطرية هذا العام، يهدّدان بانحسار مياه السدود إلى مستويات منخفضة جداً، مع تأثير حادّ على مياه الآبار الجوفية والسطحية والأنهار». ويضيف ميخائيل أنه «في حال لم تهطل الأمطار بغزارة وتتسبّب بجريان السيول والوديان، فإن غالبية سدود المحافظة ستصل إلى مستوى تخزين خطير، وهو ما سيكون له أثرٌ على مياه الشرب والزراعة والثروة الحيوانية».

 
تعتمد الزراعة في الرقة ودير الزور بشكل كامل على مياه نهر الفرات الذي تستمرّ تركيا في خفْض الوارد منه

وعلى رغم كلّ ما سبق، تغيب أيّ إجراءات حكومية لتدارُك الوضع المنبئ بالكارثة، بسبب جفاف رافدَي نهر الفرات (الخابور – الجغجغ)، وعدم القدرة على إدارة الملفّ المائي بشكل كامل في الحسكة، وصعوبة توفير مُستلزمات الإنتاج الزراعي، نتيجة استمرار سيطرة «قسد» على هذه الموارد، ومنعها المزارعين من تسليم محاصيلهم إلى المراكز الحكومية. ومع أن «الإدارة الذاتية» تمتلك إمكانات ذاتية ودعماً تقدّمه لها منظّمات أجنبية لإنعاش قطاع الريّ في الرقة ودير الزور، إلّا أن جهودها في ذلك المجال لا تزال محدودة. وبينما نجحت الحكومة في تفعيل قطاع الريّ الحكومي الثالث، وبدأت العمل على إعادة تأهيل القطاع السابع في دير الزور والبوكمال، اصطدم عملها بانخفاض الوارد المائي لنهر الفرات. أمّا في محافظة الرقة، التي تعتمد الزراعة فيها بشكل كامل على مشاريع الريّ الحكومي ومياه الآبار الخاصة، فقد عملت الحكومة سابقاً على صيانة عدد من محطّات الريّ، ما أثمر ارتفاعاً في إنتاج المحافظة إلى 44 ألف طنّ من القمح، تُعتبر كمّية صغيرة قياساً بإنتاج الرقة قبل الحرب، والذي كان يزيد عن نصف مليون طنّ. ويعود التراجع المذكور في الإنتاج إلى الدمار شبه الكامل الذي تعرّضت له شبكات الريّ هناك، والذي أدّى إلى انحسار المساحات المزروعة، وخاصة في أرياف الطبقة والرقة. وفي هذا السياق، يَلفت محافظ الرقة، عبد الرزاق الخليفة، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «انحسار مياه الفرات نتيجة سرقة تركيا لحصّة البلاد من النهر، أثّر بشكل كبير على واقع الزراعة والثروة الحيوانية في المنطقة»، مؤكداً «استمرار العمل الحكومي لإعادة تأهيل شبكات الريّ الحكومي، من خلال مشاريع مستمرّة لوزارة الموارد المائية والمنظّمات الدولية، وخاصة في مشروعَي مسكنة والفرات الأوسط، لرفع نسبة المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية».
الأخبار