"النجاحات الباهرة" التي حققتها تركيا خلال السنوات الأولى من حكم "العدالة والتنمية" تبيّن أنها مجرد أساطير يتوقع أن تتحول مع بدايات العام الجديد إلى أعاصير.

عندما قام الغرب بتسويق حزب العدالة والتنمية "كحزب إسلامي تسلّم السلطة بشكل ديمقراطي في بلد مسلم علماني" في دول المنطقة العربية وشعوبها، كان عليه أن يثبت لها أيضاً النجاحات الباهرة "لتجربته" في التنمية الاقتصادية التي جعلت من تركيا محط أنظار الجميع. 

وحقّق زعيم هذه التجربة "الإسلامي" رجب طيب إردوغان شعبية واسعة، ليس فقط في المنطقة، بل بين جميع المسلمين في العالم، وتغنّوا معاً بهذه النجاحات التي تمنّوا لها أن تعيد إليهم ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانيتين اللتين حكمتا مساحات واسعة من العالم. 

وأسهمت سياسات الانفتاح على دول المنطقة تحت شعار "صفر مشاكل مع دول الجوار"، والتي انتهجها إردوغان في السنوات الثماني الأولى من حكمه (2003-2011)، في كسب المزيد من الشعبية، له ولحزبه ولتركيا، وحققت مكاسب اقتصادية عظيمة بفضل هذا الانفتاح والعلاقات الإيجابية مع الجميع، بانعكاسات ذلك على علاقات أنقرة الدولية، وفي مقدمتها مع أوروبا وأميركا وروسيا. 

وجاء الربيع الدموي ليكشف المستور في حسابات إردوغان، الذي اعتقد أن الوقت بات ملائماً لفرض تجربته على دول المنطقة، وخاصة بعد تسلّم الإخوان المسلمين السلطة في تونس ومصر والمغرب، وجزئياً في اليمن وليبيا، لتكون الجارة سوريا هدف إردوغان الرئيسي في مجمل حساباته، عقائدياً وقومياً واستراتيجياً. 

وكان ذلك بداية التقهقر في المشروع الإردوغاني بانعكاساته على الواقع الداخلي، وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشل الذي قام به أتباع فتح الله غولن (وهو الحليف الاستراتيجي السابق لإردوغان) في الـ 15 من تموز/يوليو 2016. واستغلّ إردوغان هذه المحاولة التي قيل آنذاك "إن أميركا وإسرائيل والإمارات تقف خلفها"، فقام بتغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، وسيطر على جميع مؤسّسات الدولة ومرافقها وأجهزتها، وأهمها الجيش والاستخبارات والأمن والقضاء والإعلام، بل حتى البنك المركزي. 

وكان ذلك بداية الكشف عن خفايا "التنمية الاقتصادية" وأسرارها، والتي أثبتت المعارضة التركية كذبها بعد أن انعكست بنتائجها الوخيمة على الوضع الاقتصادي والمالي بعد عام من إعلان إردوغان نفسه حاكماً مطلقاً للبلاد، بعد استفتاء نيسان/أبريل 2017 المزوّر بحسب كلام كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب المعارض.

وأصبح إردوغان رئيساً للجمهورية في حزيران/ يونيو 2018، وقام بتعيين نفسه رئيساً لمجلس إدارة الصندوق السيادي، وتعيين صهره برات البايراك وزيراً للمالية والخزانة ونائباً له في  مجلس إدارة الصندوق، ليكون ذلك بداية الانهيار الاقتصادي والمالي. واتهمت المعارضة إردوغان بخصخصة ما قيمته 70 مليار دولار من مؤسسات القطاع العام، بما فيها المطارات والموانئ والسدود والمعامل والمصانع العسكرية والغابات والطرقات السريعة، من دون أن يعرف أحد أين ذهبت هذه المليارات. كما أثبتت المعارضة تورّط إردوغان ومَن حوله في قضايا فساد خطيرة بعشرات المليارات من الدولارات، خلال بناء الجسور والأنفاق والمطارات من قبل شركات أجنبية نفّذت مشاريعها بالعملات الصعبة، وحصلت على ضماناتها بالعملات الصعبة أيضاً ولسنوات طويلة. 

وألحق كل ذلك أضراراً جسيمة بالخزانة التركية تُقدّر بمئات المليارات من الليرات التركية التي لم يعد لها أي قيمة اعتبارية في التعاملات الخارجية. كما أثبتت المعارضة اختفاء 128 مليار دولار (البعض يقول 150 ملياراً) من احتياطي المصرف المركزي، من دون أن يكون هناك أي توضيح منطقي من إردوغان حول مصير هذه المبالغ، لأن الدولة لم تنفّذ أي مشاريع استراتيجية. وقالت المعارضة إن إردوغان قد صرف البعض من هذه المليارات في مغامراته الخارجية، وخاصة في سوريا وليبيا ومناطق أخرى أراد إردوغان أن يسوّق فيها أفكاره العقائدية والسياسية والتاريخية، "وهو يعيش في عالم الخيال"، والقول لزعيم المعارضة كليجدار أوغلو. 

وأما حجم الديون الخارجية التي زادت على 460 مليار دولار مع مبالغ  أكبر من الديون الداخلية، فقد أثبتت بدورها انهيار شعارات التنمية التي اصطدمت أخيراً بأزمة الليرة التي تعاني منها تركيا منذ ثلاثة أشهر، بعد أن عانت من أزمات مماثلة في العام الماضي، وفي عام 2018، ولو بهزّات أقل قوة. 

فتراجعت قيمة الليرة خلال شهر واحد فقط بنسبة ثلاثين في المئة (منذ بداية العام 60% وقد تصل إلى 65% قبل نهاية العام) وانعكس ذلك على الأسعار التي زادت بنسبة تراوح بين 50 و100%، وهو ما أفشل مساعي الحكومة في السيطرة على التضخم الذي تبيّن الإحصاءات أنه لن يكون أقل من 60%،  ليوصل الرئيس إردوغان ومعجزاته الاقتصادية إلى نهاية النفق المظلم، ولا نجاة منه لأسباب عديدة. 

فالخبراء، وفي مقدمتهم وزير الاقتصاد الأسبق والزعيم الحالي لحزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان، حمّلوا جميعاً الرئيس إردوغان مسؤولية هذه الكارثة الاقتصادية والمالية بانعكاساتها على المجتمع التركي، الذي بات يعيش أصعب أيامه وأحلكها. واعتبر باباجان، وكان من بُناة "التنمية"، سياسات إردوغان الخارجية والداخلية سبباً رئيسياً لكل ما تعاني منه تركيا، متّهِماً إياه بجهل أبسط قوانين وقواعد الاقتصاد والمال. ويقول باباجان إن إردوغان يتصرف بشكل فردي، بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة قانونية ودستورية، وهو ما أفقدَ تركيا ثقة الرساميل الأجنبية، بعد أن سيطر إردوغان على الجهاز القضائي، وقضى على استقلالية المصرف المركزي. 

وأيّد زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو ورئيس الوزراء السابق وزعيم حزب المستقبل أحمد داود أوغلو كلام باباجان، وكذّبا معاً البيانات التي تصدر عن المعهد الحكومي للإحصاء في ما يتعلّق بنسب التنمية، وكانت دائماً وفق مزاج إردوغان وإعلامه وكل الذين كانوا وما زالوا يتغنّون "بالنجاحات الباهرة" التي حققتها تركيا خلال السنوات الأولى من حكم "العدالة والتنمية"، وتبيّن أخيراً أنها مجرد أساطير لم تصمد أمام رياح الحقيقة المرّة التي يتوقع لها البعض أن تتحول مع بدايات العام الجديد إلى عواصف وأعاصير، ولا يدري أحد كيف سيتصدّى لها إردوغان قبل أن ترافقها زلازل تدمّر كل ما حققه من "نجاحات" قبل ما يُسمّى "الربيع العربي"، حيث كانت تجربته آنذاك نموذجاً ناجحاً يتغنّى به الكثيرون، وبدأ البعض منهم الآن يضرب المثل بفشله الذريع. 

ويبقى آخرون في الداخل والخارج عند حسن ظنهم العاطفي بمعجزات إردوغان، إما لحسابات مصلحية أو لتوافق عقائدي لن ينفع أحداً منهم، ما دامت الحقيقة قد أصبحت مكشوفة تماماً. فقد أثبتت الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2021 هشاشة الاقتصاد التركي وما حققه من "معجزات تنموية" طبّل وزمّر لها "الإسلاميون" عاطفياً كما يدافعون عنها الآن عاطفياً وهم يقولون إن "اقتصاد تركيا قوي وتنميتها عظيمة وهي تتعرض لحرب كونية تشنها دول وقوى أمبريالية واستعمارية وصهيونية وعربية معادية"، غافلين عن أن إردوغان يتودد إليها جميعاً كي تساعده لإنقاذ تركيا وهو ما سيكون صعباً جداً بكل المعايير والمقاييس، ذلك لأن إردوغان غير مبال بها على الإطلاق، وإلا لما أكد أكثر من مرة على التزامه "بالنصوص الدينية" خلال معالجته للأزمة الحالية لأن "ما يهمه هو البقاء في السلطة مهما كلفه ذلك" والقول لرئيس وزرائه السابق أحمد داود أوغلو.  

الميادين