عبد الله سليمان علي

علم “النهار العربي” من مصادر مطلعة، أن الاستخبارات التركية عزلت أخيراً المسؤول العسكري عن الملف السوري العميد “أبو سعيد” وعيّنت “أبو داود” مكانه، وذلك بعدما كثرت الشكاوى ضد الأول بسبب انحيازه الواضح إلى “هيئة تحرير الشام” بقيادة أبي محمد الجولاني، المصنفة على قوائم الإرهاب الدولي.

وكان “أبو سعيد” قد عُيّن في منصبه منذ عام ونصف عام خلفاً لضابط الارتباط التركي الشهير المعروف بلقب “أبي الفرقان” الذي تولى الإشراف على ملف الفصائل المسلحة السورية منذ عام 2012، قبل أن يتم اختياره لتأسيس نواة نفوذ تركية في ليبيا بالتزامن مع انخراط المرتزقة السوريين في الحرب الليبية.

ويأتي هذا التغيير من جانب أنقرة استجابة لأمرين أساسيين: الأول هو عدم قدرة الاستخبارات التركية على تجاهل الشكاوى الكثيرة التي كانت ترد ضد “أبي سعيد” نتيجة ممارساته الخاطئة التي يرى مراقبون للمشهد السوري أنها لعبت دوراً رئيسياً في ترسيخ هيمنة الجولاني في محافظة إدلب، وتخليصه من أقوى خصومه في الفصائل الأخرى مثل “أحرار الشام” و”الجبهة الوطنية للتحرير” وغيرها. والثاني وقد يكون الأهم، هو أن النهج الذي اتّبعه “أبو سعيد” في تقريب “هيئة تحرير الشام” وتفويضها تمثيل المصالح التركية في إدلب لم يعد يتماشى مع مطالب موسكو القاضية بضرورة التخلص من كل التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها الهيئة.

وكان الثابت الوحيد في السياسة التي انتهجها “أبو الفرقان” في إدارة ملف الفصائل السورية هو إيمانه بضرروة تقديم «دعم لا محدود للميليشيات المقربة من جماعة الإخوان المسلمين» مع «الاستثمار قدر الإمكان في الميليشيات الأخرى وتوظيفها لخدمة الهدف التركي» الذي يتماهى بطبيعة الحال مع أهداف الإخوان المسلمين. وهذه السياسة هي مجرد تطبيق حرفي للتوجهات المعروفة عن القيادة التركية، وعلى رأسها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وإذا كانت «الألوية» ذات الانتماء التركماني قد نالت حصة الأسد من رعاية “أبي الفرقان”، فإن «أحرار الشام» كان لها بدورها وضع خاص في أجندة الرجل. وهناك من يقول إنه لمعرفة من اغتال قادة “الأحرار” أواخر عام 2014 وما تبعه من تغيير جذري في حال الحركة وتوجهاتها، فإنه ينبغي البحث في صندوق أسرار “أبي الفرقان”. وبسبب تماهيه مع النهج الإخواني، لم يكن للفصائل الجهادية أولوية على قوائم الدعم لدى “أبي الفرقان”، لكنه حاول قدر الإمكان الموازنة بين الطرفين لقناعته بما تقتضيه الأهداف المرحلية والتكتيكية، من ضرورة توظيف الجهاديين لخدمة الهدف الاستراتيجي المتمثل في توسيع السيطرة التركية وإعادة إحياء الهيمنة العثمانية.

وقد اختلف الأمر جذرياً مع تسلم “أبي سعيد” الملف السوري، إذ إنه اصطدم منذ البداية بعدم قدرة قيادة “أحرار الشام” على اتخاذ قرارات استراتيجية كانت تتطلبها السياسة التركية. وتمثل الخلاف الرئيسي الذي دفع “أبا سعيد” إلى التخلي عن “أحرار الشام” في تردد الحركة باتخاذ قرار لمصلحة دخول القوات التركية إلى محافظة إدلب وتأمين الحماية لها. وقد سارع الجولاني إلى استغلال هذه النقطة، إذ عمل سريعاً على التخلص من “أحرار الشام” بذريعة رغبتهم في إدخال القوات التركية، ثم بعد تأمين سيطرته على المعابر ومعظم مساحة إدلب قدم أوراقه إلى الجانب التركي ليكون بمثابة وكيل يعمل على تأمين المصالح التركية، وعلى رأسها السماح للقوات التركية بالدخول إلى إدلب والانتشار فيها ضمن نقاط مراقبة وقواعد عسكرية.

يبدو أن قيادة الاستخبارات التركية وجدت أن السياسة التي يتبعها “أبو سعيد” لم تعد تلبي الحاجات التركية، ولم تعد كذلك قادرة على مواكبة مصالح السياسة التركية في سوريا، لا سيما بعد التصعيد الذي تقوده روسيا في ملف إدلب منذ أشهر عدّة لإجبار أنقرة على تنفيذ التفاهمات الثنائية بين البلدين، وبخاصة لجهة فتح الطرق الدولية والتخلص من ملف التنظيمات الإرهابية، فاتخذت أنقرة من الشكاوى المقدمة ضد ضابطها ذريعة لإجراء تغيير على منصب المسؤول العسكري عن الملف السوري، وعيّنت “أبا داود” في هذا المنصب لامتصاص نقمة السوريين الموالين لها من جهة، ولكن من أجل توجيه رسالة إلى موسكو بأنها تقوم ببعض التغييرات من أجل تنفيذ التفاهمات الثنائية، وذلك بهدف كسب الوقت قبل أن تقرر موسكو أنه لا سبيل للحل في إدلب إلا بعمل عسكري كبير، وهو ما تخشاه أنقرة.

وليس هناك معلومات كثيرة متوافرة عن شخصية الضابط التركي الجديد المعروف بلقب “أبي داود”، غير أن المصادر المطلعة ذاتها أفادت “النهار العربي” بأن “أبا داود كان يعمل ضمن فريق “أبي الفرقان” منذ عام 2012″ وذلك في إشارة على ما يبدو الى أنه سيتّبع النهج نفسه في إدارة ملف الفصائل، لا سيما لجهة عدم الانحياز الى الجهاديين والعمل على تقوية الإخوان والتركمان.

وفي شهر شباط (فبراير) من عام 2020، كشف أحمد المسماري، المتحدث الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر، عن أسماء الضباط الأتراك الذين يتولون مهمة الإشراف على التدخل العسكري التركي في ليبيا، وكان من بين هذه الأسماء الضابط “أبو الفرقان” الذي بات يعرف بلقب “سليماني تركيا”، تشبيهاً له بالدور الذي كان يقوم به الجنرال الراحل قاسم سليماني في توسيع النفوذ الإقليمي لإيران وقيادة العمليات العسكرية خارج الحدود.

وتقوم مهمته الرئيسية في ليبيا، على قيادة القوات التركية والمرتزقة الأجانب في العاصمة طرابلس، كما أنه يعتبر الحاكم العسكري التركي في طرابلس، ولديه أعمال سابقة في قيادة التحركات التركية في سوريا، وخاصةً العدوان الأخير لأنقرة على منطقة شمال سوريا، كما أشرف “أبو الفرقان” على عملية نقل عدد من العناصر المرتزقة من سوريا إلى ليبيا، قدر عددهم بنحو 1650، وتلك العناصر من الذين وطّد علاقته بهم في سوريا، وهي العناصر التي لها علاقة حميمة بالنظام التركي بقيادة رجب طيب أردوغان، وهو ما أكده اللواء أحمد المسماري في بيانه حول “أبي الفرقان”.

وأكد المسماري أنه يعتبر العسكري الخفي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ لم تفصح الأجهزة الاستخبارية عنه، ولكنه يظهر في عدد من الاجتماعات السرية لـ«سلطان الإرهاب»، والتي تتعلق بملف إدارة الجماعات المتطرفة في سوريا وليبيا.

النهار العربي