أمام أشباح الفقر والجوع التي تطرق أبواب سورية ولبنان، قد لا ينفع أي تحليل سياسي اليوم في اقناع أي من مواطني البلدين بأن الغد قد يصبح أفضل. مع ذلك فان ثمة تطورات سياسية حصلت اليوم وفي الأيام الماضية تبدو لافتة، من بروكسيل الى قمة الدول الضامنة لاستانا الى مجلس الأمن

 

يُمكن اختصار مؤتمر بروكسيل بأنه المكمّلُ السياسي لقانون " قيصر"، فالأوروبيون كما الاميركيون، يشترطون أي مساعدة لسورية بانتقال السلطة من الرئيس بشار الأسد الى "هيئة حكم "ذات مصداقية " بناء على القرار الدولي رقم2254 ، ولذلك كان الرد الرسمي السوري على المؤتمر عنيفا، وفق بيان الخارجية .

 

كذلك الأمر فان  قمة بوتين-أردوغان-روحاني، التي أقرت هي الأخرى بأن لا حل عسكريا للحرب وبضرورة الانتقال الى الحل السياسي ، شددت على ضرورة أن يكون :" الحل من خلال عملية سياسية يقودها السوريون أنفسهم بمساعدة من الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. " في هذا المعنى نجد ان مؤتمر بروكسيل وقمة استانا متفقان على هذا القرار لكن مختلفان حول مآلاته واستهدافاته.

 

يقول الأميركيون ، وفق ما نفهم من المبعوث الأميركي المكلف الملف السوري، ان الاتصالات قائمة بشكل مستمر بين واشنطن وموسكو وأنقرة حول سورية، لكنه يؤكد ان لا تواصل مع ايران ولا مع الدول الضامنة لاستانا كمجموعة قائمة بذاتها.  هنا الخلاف واضح اذا بين منطقين، أولهما بقيادة بوتين يعطي الأولية لاستانا حتى ولو أشار ( من باب رفع العتب وتسهيل التفاوض مع واشنطن)  الى القرارات الدولية والى جنيف، وثانيهما بقيادة أميركا يريد ليس فقط اقصاء أي دور لإيران في الحل وانما خروج ايران وحزب الله من سورية.

يُمكن ان نفهم تجدد الضغط الاطلسي على القيادة السورية حاليا بعد قانون قيصر، من خلال هذه الأهداف نفسها، أي اقناع الأسد بأن لا حلول بدون خروج ايران والحزب، تماما كما يصار الى تصوير انهيار الاقتصاد اللبناني حاليا على انه بسبب حزب الله.   المنطق نفسه بين القضيتين.  

 

ماذا تنفع اذا استانا؟

   ليس جديدا كلام الرؤساء الثلاثة عن وحدة وسلامة الأراضي السورية ورفض تقسيمها ورفض سرقة نفطها وخيراتها وعلى الاستمرار في محاربة داعش والنصرة.  هذه قيلت سابقا.  وليس مفاجئا أن يكون الرئيس التركي نفسه من يجاهر برفض التقسيم و رفض إقامة كيانات ذاتية، ذلك ان كلامه يستهدف خصوصا، وربما فقط، النزعات الكردية الاستقلالية او الانفصالية او الكيانية.  

لكن الجديد في القمة هو الإشارات الكثيرة الى ضرورة مواجهة قانون " قيصر" عبر مساعدة الحكومة والشعب السوريين. فقد بدا من كلام الرئيس الروسي الذي يقول ان هدف القانون "خنق سورية" ،  أنه يسعى لدفع تركيا نفسها الى المساهمة في تخفيف الضغط الاقتصادي عن الدولة السورية. هذه مسألة مهمة جدا لو نجح فيها بوتين في مواجهة قانون قيصر الذي يعتبر انه يستهدف روسيا وايران كما يستهدف دمشق.

 

كما ان إشارة القمة الى رفض الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية ورفض القرار الأميركي بسط الاحتلال الإسرائيلي على الجولان مفيدان في هذه اللحظات التي تشهد استمرار تنفيذ صفقة القرن في مراحلها النهائية المتعلقة بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

 

واضح اذا،  أنه في ما بقي من أشهر قليلة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، ان  الجميع يسعى لانتزاع صفقة جيدة من ترامب، وان بوتين يعزز الاتصالات الدبلوماسية ويبتعد قليلا عن العمليات العسكرية الواسعة ( خصوصا في ادلب) ،  بغية منع انهيار كل ما حققه مع القيادة السورية وايران وتركيا حتى الآن من تكريس لدور روسي كبير عند ضفاف البحر الأبيض المتوسط وتقوية دعائم الدولة السورية.

 

وهو كي ينجح في ذلك، لا بد من ان يساهم بقوة في إيجاد مخارج اقتصادية سريعة لسورية، اكان ذلك من خلال تشجيعه الدول العربية على الانخراط اكثر في التمهيد لإعادة الاعمار ( لعب دورا جيدا مع الامارات ويحاول مع السعودية)، او من خلال دفع تركيا للعب دور في هذا المجال...

 

ليس الأمر سهلا، فرجب طيب اردوغان ما زال يُمسك بكل الخيوط الأميركية والروسية ويناور على اكثر من خط من سورية الى  ليبيا ومن روسيا الى اميركا ، وهو لن يفعل شيئا مجانا، ولعله يعتبر الفرصة مناسبة حاليا للربح.

 

 نحن اذا في مرحلة إدارة ازمة، من الصعب ان تُستأنف في خلالها معارك كبرى الا اذا شعر بوتين بان ثمة خطة جدية للقضاء على دوره في سورية ( وهذا لا يبدو على جدول الاعمال الأطلسي) ، وليس مستحيلا انتظار اختراقات سياسية  في الفترة الفاصلة عن الانتخابات الاميركية.

في مثل هذه الفترات، يتوازى الضغط من المساعي للصفقات، لذلك نجد ان روسيا والصين وجهتا صفعة لأميركا في مجلس الأمن عبر رفض تمديد حظر الاسلحة  لإيران ( وهو بند منصوص عنه في الاتفاق النووي)، ونجد ان الضغوط الدولية أجبرت نتنياهو على تأجيل سرقة الضفة.

 

في فترة المراوحة، كل طرف يسعى لتحسين أوراقه ومواقعه، ولذلك فان المعركة الحالية هي اقتصادية بامتياز. وهذا ما سوف يكون لروسيا والصين دور أساسي فيه. أما في السياسة الدولية حيال سورية، فالواضح ان بوتين ما زال يراهن على تفاهم مع ترامب، والاّ لكان عقد قمة روسية ايرانية سورية، وليس مع اردوغان. اما اذا سارت الأمور مع تركيا على نحو جيد، فلا يستبعدن أحد ان يكون اللقاء المقبل في طهران رباعيا.  

الكاتب : سامي كليب رئيس تحرير 5stars