بلمحة او اكثر قليلا، دخلت مجموعات "داعش" الى سجن الثانوية الصناعية في حي غويران في مدينة الحسكة، وبسويعات او اقل اصبحت الاحياء في محيطه غرفة عمليات لداعش ومنطقة اشتباك، هناك تتختلط المعلومات، حول الدور الامريكي وعقدة الوصل التي طالما شكلها الوجود الامريكي في احياء التنظيم الارهابي.

تعددت المحاولات وتجاوزت كثيرا حدود السجن، الا ان هذه المرة كانت الاكبر والاعنف، وحسب رواية قسد، تم الهجوم على البوابة الغربية لسجن الثانوية الصناعية في مدينة الحسكة، باستخدام سيارة مفخخة تم تفجيرها لفتح ثغرة. هذا ما تزامن مع هجوم لخلايا تنظيم داعش من خارج السجن، وتنفيذ المحتجزين لعصيان واعمال شغب وحرق. الاغطية والادوات البلاستيكية تلاه استهداف صهريج نقل وقود عند السجن وتفجير آخر عند محطة محروقات مارديني في الحي ذاته، للاستفادة من اعمدة الدخان المتصاعدة للتغطية على تحركاتهم وعدم كشفها من قبل الطيران الامريكي حيث استمرت الاشتباكات فترة طويلة فيما نفذ الطيران المروحي الامريكي عمليات استهداف للفارين وعدد من المواقع التي يتحصنون ضمنها باستخدام الاسلحة الرشاشة، تلك المواقع الممتدة من السجن باتجاه الجنوب وصولا الى دوار البانوراما، ومنها كلية الاقتصاد وما يسمى اكاديمية الدفاع الذاتي، وما جرى ان ارهابيي داعش استولوا على مستودع للاسلحة ضمن الاكاديمية، كما يتحصن قسم من ارهابي داعش في الابنية الممتدة من دوار الباسل وصولا الى فرن الباسل من الجهة الجنوبية لحي غويران، وقسم منهم في منازل الاهالي في الطرف الجنوبي الشرقي لحي غويران مقابل المقبرة، والجدير بالذكر ان القوات الامريكية لم تتحرك لمؤازرة داعش، الا بعد مرور ثلاثة ساعات من بدء الهجوم وبدأ تدخلها عبر الطيران المروحي الذي حلق في سماء المنطقة، دون تدخل ناري او لوجستي، ما يعزز فرضية ان ما جرى لا يتعدى كونه فيلم امريكي طويل.

إن المدقق بما يجري من احداث في الحسكة، يبدأ من سؤال ماذا يحدث في سجن الثانوية الصناعية، كيف وصل هؤلاء من البادية السورية حيث يتحرك تنظيم داعش، إلى الحسكة، ما الرابط بين التفجيرات التي تمت لتهريب خمسة آلاف داعشي وهجمات ديالى، ليخرج باجابة واحدة، الفاعل الحقيقي هي الولايات المتحدة واستخباراتها، لاهداف عدة، منها المبرر لوجودها كونها تدعي مكافحة داعش، واستجرار التمويل من الخزائن الامريكية لبقاء وجود القوات الامريكية ودعم قسد، واعادة التوزيع الديموغرافي واخلاء احياء غويران ومحيطها من السكان، بالاضافة الى هدف استراتيجي يرتبط بتثبيت وجودها في الممرات البرية في غرب آسيا كتهديد مستمر.

بالصورة الأعمق، يجب ان نتذكر هنا التفويض الذي منحه الكونغرس للإدارات الأمريكية المتعاقبة، باستخدام القوة العسكرية في حالات تحددها تلك الادارات، وبالتالي، كل ما يقوم به الامريكي الان هو تجدد ذريعة وجود داعش، ما دامت هي الحجة الرسمية الامريكية للوجود العسكري الأمريكي في شرق سوريا. الا انه بعد ان قضى الجيش السوري والحلفاء على وجود داعش في المدن الكبرى، اصبح العنوان البارز في الادارة الامريكية، هو ان الوجود الامريكي هو حضور غير مفيد في سوريا، ما جعله يتخبط في قراراته بخصوص هذا الوجود، واطلق بعض اعضاء الكونغرس الامريكي مصطلح " الضياع الامريكي" للوجود العسكري للولايات المتحدة في سوريا، حيث كان واضحا ان الامريكي لم يعد قادرا في زحمة الاشتباك في الصحراء السورية او الجزيرة، على الاستمرار بوجوده، بعد ان اتبع محور المقاومة استراتيجية الحصار الناعم، للوجود الامريكي في المنطقة، والتي انتجت الفشل الامريكي في العناوين الكبرى لمعركته، ليلتفت المحور الى القضاء على ادوات الفوضى التي شكلت الرافعة الحقيقية لوجوده، عندها بدأ محور الشر يسقط التعويل على الحضور العسكري الامريكي، بعد منعه من الوصول لاهدافه مباشرة، وهذا ما دفعه لاعادة احياء داعش في البادية السورية، وشكلت قاعدة التنف والشدادي منطلقاً لاعادة تصدير خلايا داعش، وشكل نقل ارهابيي داعش من السجون احد اوجه هذا التكتيك.

اما في الوقائع، تكشف هذه الهجمات ان الادارة الامريكية مازالت تعتمد على مخرج فاشل، وممثلين اقل كفاءة من المتوقع، فعند تحليل ما جرى من وقائع على الارض، نرى ان الهجوم الداعش، يرتد عكسيا على القوات الامريكية وقسد، بعد ان يثبت ضعفها على المستوى العسكري والاستخباراتي، وعجز تلك الادارة عن ضبط السجون والمخيمات الخاصة بمعتقلي داعش، فعندما نتحدث عن اجهزة استخبارات امريكية تدير الحالة في الشرق السوري، يقفز الى الاذهان السؤال عن كيفكية وصول هؤلاء بمخففات واعداد من المسلحين والسلاح الى محيط السجن، ما يجعل الرواية الامريكية في مهب ريح الصحراء السورية، والغريب في الامر القدرة الكبيرة على الاستثمار من قبل الامريكي وقسد لما يجري وعلى اتجاهين، الاول هي الدعاية ان هذا التنظيم ما زال موجودا لاستجرار مزيد من الدعم الامريكي لقسد، وتبرير الوجود الامريكي، والشق الاخر تهريب الدواعش لزجهم في خلاياه في البادية السورية او تهريبهم الى العراق، وهذا يفسر عدم قبول قسد تسليم هؤلاء المعتقلين للدولة السورية ليتم محاكمتهم، او ترحيلهم لدولهم التي ارسلتهم الى هذه المنطقة. وفي سياق متصل، ماذا عن تهجير اكثر من 4000 عائلة من حي غويران ومحيطه، هل يمكن لنا ان نفهم ذلك بعيدا عن نوايا التطهير العرقي، واستغلال الفيلم الامريكي لاعادة التوزيع الديموغرافي في المدينة.

جوهر الحقيقة في قضية سجن الثانوية الصناعية، هو ان الهزيمة التي لحقت بالمشروع الامريكي في المنطقة، يدفعها لمحاولة التغيير الميداني، ومحاولة فاشلة لاعاة ترتيب المنطقة، الا ان ذلك واضح وسيفشل وهو أمر ثابت لا جدال فيه.

بقلم حسام زيدان- العالم