بقلم: رفعت إبراهيم البدوي

يبدو أن الأزمة بين لبنان ودول الخليج لم تزل بعيدة عن إيجاد أرضية مشتركة صالحة لإنهاء القطيعة والإعلان عن عودة السفراء وإطلاق العلاقات الدبلوماسية والتجارية من جديد بين الطرفين أقلّه في الوقت القريب، وربما إلى ما بعده، وخصوصاً بعد الإعلان عن دخول أميركا وفرنسا على خط الأزمة إضافة إلى مصر والأردن.

لم يعد خافياً بأن الأسباب المعلنة للأزمة ليست تصريحاً لإعلامي لبناني وصف فيه الحرب على اليمن بالحرب العبثية، بل إن ما وراء الأكمة أبعد وأعمق من وصف أو تلفظ لوزير في الحكومة اللبنانية.

دول مجلس التعاون الخليجي اتخذت موقفاً موحداً متضامنة مع المملكة السعودية التي بادرت إلى اتخاذ خطوات وصفت بالعقاب التعسفي ضد لبنان احتجاجاً على الوصف أو التلفظ بعبارة الحرب العبثية.

مما لا شك فيه أن دولة الكويت دأبت على التميز بلعب دور توفيقي طوال الأزمة اللبنانية منذ ما قبل اتفاق الطائف وما بعده، وهي التي وصفت بالسباقة لإبداء المساعدة المالية والسياسية لإنقاذ لبنان من محنه المتتالية الأمر الذي ترك انطباعاً إيجابياً تكتنفه ثقة متبادلة بين الشعبين والدولتين الكويتية واللبنانية.

عقب نشوب الأزمة بين لبنان ودول الخليج، سارعت بعض الدول ومنها الكويت بالطلب إلى لبنان بضرورة استقالة وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي كتعبير عن حسن نية للولوج في حل يرضي الأطراف، وبعد شهر من أخذ ورد وممارسة شتى أنواع الضغط النفسي، أعلن الوزير القرداحي استقالته استجابة كبادرة حسنة النية على أمل أن تؤدي الاستقالة إلى إزالة الغيمة التي تلبدت فوق لبنان ودول الخليج.

إذاً، نفذ لبنان المطلوب منه منتظراً مبادرة خليجية إيجابية تلتقي مع الإيجابية اللبنانية في منتصف الطريق، لكن الأمور بقيت على حالها طوال الأشهر الثلاثة الماضية إلى أن أعلن يوم السبت الفائت عن زيارة وزير الخارجية الكويتي أحمد ناصر المحمد الصباح إلى لبنان حاملاً معه ورقة مطالب سميت بالمبادرة «لإعادة بناء الثقة».

على الفور اجتمع الوزير الكويتي بكل من الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبدالله بو حبيب، وقام بإبلاغ من التقاهم أن دولة الكويت «تريد مساعدة لبنان» ودعاهم إلى «التعامل بإيجابية مع المبادرة التي يحملها»، واعتبرها «فرصة سانحة يجب التعاطي معها بجدية»، مؤكداً أنها مبادرة خليجية وعربية ودولية تحظى بموافقة دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى الأردن ومصر والولايات المتحدة وفرنسا، مذكراً المسؤولين اللبنانيين لأنه يحضر إلى لبنان، بصفته «موفداً خليجياً وعربياً ودولياً» ويجب التعامل مع مبادرته على هذا الأساس.

اللافت هو تذكير الوزير الكويتي القيادات الرسمية اللبنانية، بالموقف التاريخي للرئيس سليم الحص الذي أدان فيه الاجتياح العراقي للكويت في العام 1990، لكونه أول موقف لبناني وعربي وحتى دولي، في إشارة واضحة إلى ضرورة امتثال لبنان لهذا الموقف في تعامله مع الدول العربية ولاسيما الخليجية منها، واستلهام هذا الموقف التاريخي للرئيس سليم الحص الذي لن تنساه الكويت أبداً.

بالعودة إلى بنود المبادرة الخليجية العربية الدولية المؤلفة من 12 بنداً يطلب فيها من لبنان الرسمي التعهد بالإجابة عنها قبل نهاية هذا الشهر الحالي، وبعد التأكد والاطلاع على صحة بنود المبادرة يتضح لنا جلياً أن بعض البنود المطلوبة لا ترقى إلى مستوى حسن النية لأنها مطالبٌ تحمل في طياتها مشروع إشعال حرب في لبنان، لأنها بالأصل مطالب أميركية فرنسية إسرائيلية من دون مواربة، ومثال على ذلك ما تضمنته البنود الرابع والخامس والسادس والسابع من المبادرة والتي تنص على الآتي:

البند الرابع

يطلب من لبنان تطبيق سياسة النأي بالنفس قولاً وفعلاً.

البند الخامس

وضع إطار زمني محدد لتنفيذ قرارات مجلس الأمن رقم 1559 لعام 2004 والخاص بنزع سلاح الميليشيات في لبنان، والقرار رقم 1680 لعام 2006 بشأن دعم سيادة واستقلال لبنان السياسي، والقرار 1701 لعام 2006 الخاص بسلاح حزب اللـه ومنطقة الجنوب اللبناني وفق المبدأ الأساسي في سيطرة الدولة على وجود السلاح خارج سلطة الحكومة اللبنانية.

البند السادس

وقف تدخل حزب اللـه في الشؤون الخليجية بشكل خاص والشؤون العربية بشكل عام والتعهد بملاحقة أي طرف لبناني يشترك في أعمال عدائية ضد دول مجلس التعاون.

البند السابع

وقف كل أنشطة الجماعات المناوئة لدول مجلس التعاون وملاحقة كل من يحاول التحريض أو يشارك في الاعتداء ولو لفظياً من المواطنين أو المقيمين في لبنان ضد حكومات مجلس التعاون الخليجي.

لم تزل الدول الخليجية وخاصة المملكة السعودية تمارس على لبنان لغة الاستعلاء والاستقواء فأميركا وفرنسا أصلاً تشاركتا في وضع البند الخامس، ولم تستطع أي منهما تنفيذه طوال عقدين من الزمن، فلماذا التبني الخليجي لهذا البند الذي يهدد بنشوب حرب في لبنان؟ ولماذا يُطلب من لبنان فقط الالتزام بوضع إطار زمني محدد لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، على حين تغاضت «المبادرة الخليجية العربية الدولية» عن دعوة العدو الإسرائيلي إلى الالتزام بتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولية!

إن تذكير الموفد الكويتي بالموقف التاريخي للرئيس سليم الحص من غزو العراق للكويت فيه شيء من المواربة، بمعنى أن موقف الرئيس الحص الواضح رافض لأي اقتتال عربي عربي ورافض لإراقة الدماء العربية، وهو الذي ما انفك يوماً عن المطالبة بالتضامن وبتوحيد الصف العربي، وهذا ما ينطبق أيضاً على الحرب الدائرة في اليمن، هذا البلد العربي الشقيق.

لا أدعي التكلم باسم الرئيس سليم الحص لكن وبحكم ملازمتي لهذه الأيقونة صاحبة الضمير العربي الحي لأكثر من أربعة عقود ونيف، أستطيع القول إنه لو تسنى للرئيس الحص مشاهدة المجازر الوحشية التي ارتكبت ضد أطفال اليمن لأعلن موقفاً شاجباً ورافضاً لتلك المجازر البشعة في اليمن انطلاقاً من عروبته الغيورة على وحدة العرب واستجابة لضميره الإنساني الرفيع، لكن وضعه الصحي الحرج حال دون ذلك، فهل الإعراب عن موقف يدين الاقتتال بين الأشقاء العرب باسم العروبة سيعتبر اعتداء على العرب أو على دول الخليج؟

إن سياسة كم الأفواه عن قول الحق والتعبير عن الضمير الإنساني لا يمكن القبول بها، ونختم بالقول: إن دولة الكويت تحظى باحترام استثنائي نظراً لمواقفها الرصينة المناصرة للقضية الفلسطينية الرافضة للتطبيع مع العدو الصهيوني، وصحيح أن الموفد هو وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة لكن بنود الوثيقة التي حملها هي مطالب أميركية فرنسية سعودية تعجيزية، ولا توصف بمبادرة حسن نية، بل إنها مطالب لا تدعو لبناء الثقة وتدفع لإشعال حرب أهلية صريحة في لبنان والعياذ بالله.