يفسّر ذلك تراجع إردوغان عن سياساته السابقة وعداواته التقليدية مع الإمارات والسعودية و"إسرائيل".

للرئيس التركي رجب طيب إردوغان علاقات شخصيّة وسياسيّة مميّزة مع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي يحكم البلاد منذ 12 عاماً، وهي أقلّ بـ8 سنوات من فترة حكم إردوغان لتركيا. ويتعرّض أوربان، كما هو حال إردوغان، لانتقادات عنيفة من منظمات وهيئات دولية وأوروبية، تتهمهما معاً بالعمل على "إقامة نظام استبدادي، عبر السيطرة على مؤسسات الدولة ومرافقها المختلفة، وأهمها الجيش والأمن والمخابرات والقضاء والإعلام الخاص والحكومي".

وترى المنظمات والهيئات المذكورة في قضايا الفساد الخطرة قاسماً مشتركاً يجمع إردوغان وأوربان الَّذي تغنى سابقاً بجذوره العثمانية في بلدٍ يعدّ جميع سكانه من المسيحيين، ما دفعه إلى الانضمام (بصفة مراقب) إلى منظمة الدول التركية التي تضم جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز الإسلامية، بدعوة من صديقه العثماني إردوغان. 

وقد استغلَّ أوربان، كما هو حال إردوغان، فترة وجوده في السلطة، فقام بتغيير العديد من القوانين والأنظمة ومواد الدستور المختلفة، ليضمن لنفسه وحزبه الحاكم "فيدز" (FİDESZ) البقاء في السلطة لفترة أطول من دون أيّ معارضة تُذكر، بعد أن سيطر على 90% من الإعلام، كما قام بتغيير قانون الانتخابات، وعيَّن أتباعه في أجهزة الدولة الرئيسية، وأهمها المجلس الأعلى للقضاء، والمجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون، والمفوضية العليا للانتخابات، والهيئة العليا للرقابة المالية ومكافحة الفساد. وتتحدَّث المعلومات باستمرار عن قضايا فساد خطِرة تورط فيها عدد كبير من الأشخاص والشركات المقربة من أوربان، كما هو حال إردوغان. 

هذا التشابه الكبير بين إردوغان وأوربان، وكلاهما استلم السلطة بوعود ديمقراطية ليبرالية تلبي طموحات الطبقات المتوسطة التي عانت من سياسات الحكومات السابقة، يمينية كانت أو يسارية، أوصل تركيا والمجر إلى حافة الإفلاس السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وفق العديد من تقارير الهيئات الأوروبيّة، فقد وجه الاتحاد الأوروبي انتقادات عنيفة إلى أوربان، متهماً إياه بـ"الاستبداد والعمل للقضاء على الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وحقوق الإنسان وسط القارة الأوروبية"، وهي الانتقادات التي يتعرّض لها إردوغان أوروبياً وأميركياً.

ويبقى الرهان في كلا الحالتين على مدى قوة المعارضة في التخلص منهما معاً، ما دامت الظروف والمعطيات السياسية في تركيا والمجر متشابهة تماماً، كما هو الحال بين إردوغان وأوربان؛ ففي الوقت الَّذي تستمرّ أحزاب المعارضة التركية بالاتفاق على مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي مشترك يساعدها على التخلّص من الرئيس إردوغان في أول انتخابات قادمة، نجحت أحزاب المعارضة في المجر في الاتفاق على مشروع مماثل للتخلّص من أوربان وحزبه "فيدز" في الانتخابات التي ستجري في نيسان/أبريل القادم.

وأعلنت 6 أحزاب معارضة مرشّحها المشترك لرئاسة الحكومة لينافس أوربان، بعد أن توقَّعت استطلاعات الرأي لهذا المرشّح، وهو بيتر ماركي زاي، أن يهزمه، وهو ما فعله في انتخابات 2019، عندما فاز برئاسة بلدية إحدى المدن المعروفة بولائها لحزب "فيدز". 

تحالف المعارضة الذي يضمّ أحزاباً يسارية واشتراكية ويمينية وقومية وليبرالية وبيئية، وأحزاباً فاشية، والعديد من الشخصيات التي انشقّت عن "فيدز"، وعد "بتطهير البلاد من الفساد، ومحاكمة كلّ المتورطين، واستعادة حرية الإعلام، وصياغة دستور جديد، وتعديل قوانين الانتخابات، وضمان استقلالية القضاء، وإعادة البلاد إلى نهجها التقليدي جنباً إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي، بعد إبعادها عن سياساتها المزاجية والشخصية، كما هو الحال مع تركيا ودول مماثلة".

منظّمة "فريدم هاوس" غير الحكومية، ومقرّها واشنطن، أصدرت في نهاية 2020 تقريراً مفصلاً خفضت بموجبه تصنيف المجر "من دولة ديمقراطية إلى نظام هجين"، بعد أن أعطت معلومات مفصّلة عن حملات القمع التي شنتها الحكومة ضد كلّ فئات المعارضة وهيئات المجتمع المدني والقطاع الثقافي، وبعد أن قضت على استقلالية القضاء وسيطرت بشكل تام على وسائل الإعلام الخاصة والحكومية.

ولم تخفِ أوساط أوروبية قلقها من التدابير والإجراءات التي سيتخذها أوربان حتى موعد الانتخابات، بما في ذلك تعديل قانون الانتخابات، لضمان فوزه ومنع تحالف المعارضة من تحقيق أيّ انتصار أو فوز كبير، وهذا هو الحال في تركيا التي توجّه فيها أحزاب وقوى المعارضة اتهامات مماثلة إلى الرئيس إردوغان، بفارق إضافي، هو استغلاله الدين كسلاح فتّاك يستخدمه في حربه ضد المعارضة بكلّ أشكالها. 

تُضاف إلى ذلك قضية الكرد، أي الحرب ضدّ حزب العمال الكردستاني، وهو ما يستغلّه إردوغان لمهاجمة منافسيه ومعارضيه، متهماً إياهم بالتحالف مع الإرهاب، الذي يُقصد به حزب الشعوب الديمقراطي. وتستبعد الاستطلاعات لتحالف المعارضة أن يهزم إردوغان في انتخابات الرئاسة من دون الحصول على دعم هذا الحزب الذي تتراوح شعبيته بين 10-12%. 

دفعت كلّ هذه الحسابات أحزاب المعارضة، وهي الشعب الجمهوري الاشتراكي الديمقراطي (وشعبيته 25-27%)، و"الجيّد" (15-16%) الذي انشق عن حزب الحركة القومية؛ حليف إردوغان، وحزب التقدم والديمقراطية بزعامة علي باباجان الذي انشق عن العدالة والتنمية (3-4%)، وحزب المستقبل بزعامة أحمد داوود أوغلو الذي انشقّ أيضاً عن العدالة والتنمية (2-3%)، وحزب السعادة الإسلامي الذي أسَّسه نجم الدين أربكان (1-2%)، والحزب الديمقراطي المحافظ (1-2% ) إلى الاتفاق على مشروع انتخابيّ يساعدها على التخلص من إردوغان ونظام حكمه الذي دمَّر البلاد، في كل معطياتها ومؤسساتها، بحسب رأي الأحزاب المذكورة. واتَّفقت فيما بينها على تغيير الدستور، والعودة إلى النظام البرلماني الذي ألغاه إردوغان، في استفتاء نيسان/أبريل 2017، ليساعده ذلك على إحكام سيطرته على جميع مرافق الدولة وأجهزتها ومؤسساتها. 

استطلاعات الرأي، كما هي الحال في المجر، تتوقع لمرشّح المعارضة (مدعوم من 7 احزاب يسارية صغيرة) أن يهزم إردوغان بنسبة لا تقل عن 56-58% في حال اتفاق جميع الأحزاب على ترشيح رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أو رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش (أي مرشح مفاجئ) كمنافس لإردوغان، شريطة أن يحظى هذا المرشح بتأييد أنصار حزب الشعوب الديمقراطي، كما هي الحال في الانتخابات البلدية في آذار/مارس 2019، والتي فاز فيها إمام أوغلو بعد 25 عاماً من حكم الإسلاميين.

ولا يعني كل ذلك أن الأمور ستكون سهلة بالنسبة إلى تحالف أحزاب المعارضة، التي سيستمرّ إردوغان في حملاته العنيفة والشرسة ضدها وضد أنصارها وأتباعها في الإعلام، وهم جميعاً يواجهون ضغوطاً وملاحقات أمنية وقضائية يومية من أجهزة الدولة التي يسيطر عليها إردوغان، وأهمّها الأمن والاستخبارات والقضاء. كما لن يتردّد إردوغان، كما هي الحال بالنسبة إلى أوربان، في تغيير القوانين واللوائح والأنظمة، ليساعده ذلك على منع المعارضة من تحقيق أيّ انتصار في الانتخابات المقبلة. ويستبعد البعض من الأوساط السياسية لإردوغان إجراءها إلاّ بعد اتخاذ كل الإجراءات التي ستضمن فوزه وفوز حزبه، حتى لو أدّى ذلك إلى تزوير النتائج، كما جرى في الاستفتاء على الدستور في نيسان/أبريل 2017. واتَّهم زعيم الشعب الجمهوري، كليجدار أوغلو، آنذاك المفوضية العليا للانتخابات بالتواطؤ مع إردوغان، وتزوير نحو 2.5 مليون بطاقة اقتراع لمصلحة إردوغان.

ومع انتظار الانتخابات المقرَّر لها أن تكون في حزيران/يونيو 2023، وهو الموعد الذي لن تتحمَّل تركيا انتظاره بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية والاجتماعية، يبقى الرهان أولاً على مدى قدرة المعارضة على إقناع أنصارها وأتباعها بضرورة العمل المشترك والفعّال للتخلص من إردوغان ونظامه الخطير، وفق تصنيف الأحزاب الستة؛ ثانياً على مدى قوة إردوغان، الذي يسيطر على كل شيء، في التصدي لتحالف أحزاب المعارضة، والعمل على التخلص منها، مهما كلّفه ذلك وكلّف تركيا، داخلياً، والأهم خارجياً.

ويفسّر ذلك تراجع إردوغان عن سياساته السابقة وعداواته التقليدية مع الإمارات والسعودية و"إسرائيل"، سعياً منه لضمان تأييد واشنطن ودعمها له في سياساته الداخلية ضد معارضيه، ما دام الغموض يخيّم على القاسم المشترك بينها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لتركيا. فإردوغان هو الذي يقرّر الآن بمفرده كل شيء، في حين قد يختلف زعماء الأحزاب الستة في حال استلامهم السلطة بشأن أي موضوع يخصّ السياسة الخارجية، وخصوصاً سوريا. 

لقد كان داود أوغلو من أهم مهندسي هذه السياسة، التي سبق لكليجدار أوغلو أن هاجمها بأعنف العبارات، وتصدّى لها. وهو الآن مع داود أوغلو في تحالف مشترك ضد إردوغان، الذي أدّى، وما زال، دوراً أساسياً في أزمة سوريا وتطورات المنطقة منذ ما يسمى "الربيع العربي". وكل ذلك بالتنسيق والتعاون مع واشنطن وعواصم المنطقة، بل حتى موسكو (بعد آب/أغسطس 2016)، التي يبدو واضحاً أنها ترجّح التعامل مع شخص واحد فقط، بدلاً من زعماء ستة أحزاب. 

وفي نهاية المطاف، ليس مهمّاً، بالنسبة إلى بايدن أو بوتين او غيرهما، إن كان هذا الشخص الواحد ديكتاتوراً أو استبدادياُ، لأن ذلك شأن داخلي في تركيا المسلمة، وهي ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، خلافاً للمجر، أي هنغاريا المسيحية، التي احتلها العثمانيون قبل 500 عام تقريباً (1526)، ويقول أوربان إنه من أحفادهم!

الميادين