ما يحدث في ملف الدعم بات معيباً بحق البلد.
فما تفعله الحكومة الحالية، ليس له من تفسير سوى واحد من اثنين:

-إما أنها تستخف بعقول المواطنين وقدرتهم على مقاربة المسائل بشكل صحيح، وإلا كيف يمكن تفسير تناقض وعدم واقعية البيانات والأرقام الإحصائية الواردة على لسان أكثر من مسؤول خلال الفترة الماضية، بدءاً من النسب الكثيرة للأسر المقترح استبعادها، إلى تقديرات احتياجات البلاد من السلع المدعومة، وصولاً إلى تكاليف الدعم المعلنة ومقارباتها، وغير ذلك الكثير!

-أو أن ما يحدث نتيجة طبيعية لأداء حكومي يتعامل مع الملفات بسطحية شديدة، ضيق أفق، وعدم تقدير للعواقب الاقتصادية، الاجتماعية، وحتى السياسية، والدليل على ذلك ما يلي:
-تبدل موقف الحكومة خلال الفترة الماضية أكثر من مرة، لا سيما لجهة إدراج شرائح أو إخراج شرائح من اللائحة الأولية المعتمدة في كتاب اللجنة الاقتصادية المسرب من دون مبررات موضوعية وشفافية في النقاش، وهذا دليل تخبط، وعدم قدرة على إدارة الملف بما يستحقه من أهمية، على عكس ما يقوله المسؤولون الحكوميون.

-عجز الحكومة بمسؤوليها كافة عن تقديم مبررات علمية مقنعة لما اعتمدته من شرائح، وأسباب تصنيفها كشرائح ميسورة مادياً. فمثلاً على ماذا اعتمدت في تصنيف صاحب سيارة سياحية سعتها 1500 cc على أنه ميسور الحال، في الوقت الذي لا يُستبعد طبيب دخله اليومي لا يقل عن مليون ليرة؟

-سجل الحكومة الحافل بالإخفاقات والتصريحات العشوائية، لا سيما بعد كل زيادة كانت تطرأ على أسعار السلع المدعومة. ويمكن التأكد من حقيقة هذا الكلام من خلال قياس معدل التضخم الحاصل منذ تسلم الحكومة مهامها وحتى اليوم، تدهور الوضع المعيشي، نتائج سياسة الجباية، عودة ظاهرة الهجرة، والهجرة النوعية هذه المرة.... إلخ. إذاً ما الذي تغير  الآن حتى نثق بها هذه المرة؟

-هروب الحكومة من أولوية معالجة وضبط الفساد والهدر الكبيرين في مؤسسات الدعم وطوابيرها، إلى الحل الأسهل المتمثل في تقليص عدد المستفيدين من الدعم، وتالياً فالحكومة ترحّل المشاكل الجوهرية إلى الأمام على حساب المواطنين ومعيشتهم.

أنا هنا أميل إلى اعتماد التفسيرين معاً. وستثبت الأيام القادمة أن معالجة ملف الدعم الحكومي بهذه الطريقة كان خطأ كبيراً من حيث الآلية، التوقيت، وتقدير النتائج تماماً كما حدث في العام 2008. 

لذلك أقترح سحب الملف كاملاً من الحكومة الحالية، وتكليف مجموعة من الخبراء الاقتصاديين والاجتماعيين، المشهود لهم بالحكمة والعلم، بمناقشة هذا الملف بكل تفاصيله، تناقضاته، أبعاده، ووضع سيناريوهات المعالجة الممكنة. ففي مثل هذه الحالة، نكون على الأقل أمام مشروع يحترم العقل، ويتماهى مع متطلبات الظرف السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي للبلاد.

هامش: ما أخشاه أن يجري تنفيذ السيناريو المعتاد، أي أن ترفع الحكومة الدعم عن بعض الأسر ثم يجري تغيير الحكومة، اعتقاداً أن ذلك سيكون كفيلاً بتخفيف احتقان الشارع.

المشهد