تحميل المادة

كانت الدولة السورية من الدول السبّاقة عام 2002 –على مستوى المنطقة والعالم– باعتماد نموذج التعلُّم الإلكترونيّ؛ ذلك بإحداث الجامعة الافتراضية السورية، كهيئةٍ علميةٍ عامةٍ تَرَسّخَ وجودها طوال عقدين من الزمن، بتقديمها نموذجاً للتعلم والعمل عن بعد، اعتماداً على منظومةٍ تعليميّةٍ وإداريّةٍ مؤتمتةٍ وقابلةٍ للتشغيل عن بعد، قائمةٍ على توليد وإدارة وإثراء محتوى رقمي علمي وتعليمي مُخزّن محليّاً، يشكّل حجر أساس الجامعة.
لكنَّ السبقَ الذي حققته الدولة السوريّة في هذا المجال، لم يساعد –طوال العقدين الماضيين– في دفع منظومة التعليم العالي لرفدِ نموذج التعليم التقليديّ –الذي تتبناه– ودعمهِ بنموذج تعليم حديث متمازج مع النموذج الإلكتروني، يعتمد على المحتوى الرقميّ التعليميّ والعلميّ، ومقبولٍ من أصحاب المصلحة فيها، دون أن يعني هذا استبدالاً للتعليم التقليدي أو نقداً لاستمراريته خصوصاً أن للتعليم الافتراضي حدوداً لا يمكنه تجاوزها في الكثير من الاختصاصات التي تحتاج لعملٍ مخبري تجريبي مباشر.
ورغم رسوخ منطق "التحول الرقمي" عالمياً  في العقدين الماضيين مع ما صَاحَبه من ثورةٍ علميةٍ وتقانيةٍ واجتماعيةٍ ومهنيةٍ في القطاعات كافّةً، إضافةً لتأزم الحالة المحلية التي تمثّلت في حربٍ خاضتها سورية طوال 9 سنوات نبّهت بوضوح إلى أهمية اعتماد منطق التعلّم والعمل عن بعد في مجالات متعددة، مع انقطاع السبل في بعض المناطق التي حاصرتها الحرب بشكلٍ مباشرٍ، إلا أن القناعة الفكرية المطلوبة بهذا المنطق لم تبدأ بالتحقق لدى المعنيين في قطاع التعليم العالي (وحتى لدى القطاعات الأخرى)، إلا مع بدء انتشار وباء فيروس كورونا في العالم، واتخاذ الدولة السورية لإجراءاتٍ احترازيةٍ أجبرت السوريين على المكوث في منازلهم، ودفعت المعنيين في مختلف القطاعات إلى التفكير بوسائل تساعدهم في اجتياز هذه الأزمة؛ ذلك باعتماد وسائل وأدوات التعليم والعمل عن بعد. مع ذلك، وكي نبقى واقعيين، لا بد من قبول أنَّ التعلم عن بعد، والعمل عن بعد، والبيئة الافتراضية الأكاديمية أو المهنية هي "ثقافة"، والثقافة تحتاج لعملٍ طويل وجهدٍ دؤوب وبناءٍ متراكم كي نتمكن من مكاملتها في بيئات التعلم والعمل لدينا، لكن أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً.
نسعى في عرضنا إلى التركيز على التعليم العالي (مع اعتقادنا بصلاحية ما سيأتي للتعميم على مختلف القطاعات الاقتصادية والإعلامية والثقافية وغيرها) من أجل:
1.التحليل الموجز لأسباب تأخر التعليم العالي في تبني منطق التحول الرقميّ، سعياً منا لتلافي هذه الأسباب في المرحلة القادمة؛
2.الاستعراض السريع للإجراءات التي يمكن تنفيذها على المدى القصير لتلافي الإشكالات الناجمة عن الحظر الوقائي المفروض على الطلاب والمعلمين؛
3.استعراض مشروع واضح المعالم ومؤطّر بدأت الجامعة الافتراضية السورية بتنفيذه قبل بداية العام الحالي وقبل استفحال أزمة فيروس كورونا، إيماناً منها بضرورة التحرك ريادياً في هذا الإطار، وهو مشروع "المنصة الرقمية المفتوحة للتعليم العالي" والذي يُعَدُّ تنفيذه جزءاً من اتفاقية إنشاء الشبكة السورية للتعليم العالي والبحث العلمي التي وقعتها وزارة التعليم العالي مع وزارة الاتصالات، والتي تهدف إلى تمويل وتنفيذ الربط الشبكي الفعّال بين الجامعات السورية لتشجيع تطوير وتوفير خدمات تعليمية مستضافة محلياً على الشبكة لعموم الطلاب السوريين. تعمل الجامعة الافتراضية السورية، بموجب هذا الاتفاق، على توفير خدمات رقمية على هذه الشبكة لعموم المؤسسات الأكاديمية السورية، منها مشروع المنصة الآنفة الذكر وهو مشروع يمكن أن ينتهي العمل على النسخة الأولى منه والقابلة للتشغيل في مدة أقصاها 4 أشهر على الأكثر من الآن وبعد تأمين مستلزماته بتعاون مختلف أصحاب المصلحة؛
4.استعراض آفاق ترسيخ منطق التحوّل الرقمي في التعليم العالي السورية في العامين القادمين والاستثمار الإيجابي لأزمة الوباء بما ستسببه من تحولٍ في قناعات الكثيرين. 

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات