ترجمة: لينا جبور

تحميل المادة

قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ عام 2011، بإرسال المسلّحين إلى دمشق بعد تدريبهم وتزويدهم بالسلاح لـ "تغيير الحكم" فيها. وقد حاولت بعد أن فشلت في مساعيها خنق سورية اقتصادياً. كان الهدف هو نفسه دائماً: إجبار سورية على الخضوع لتغييرٍ سياسيٍّ. ووصل العدوان هذا الشهر، حزيران/يونيو 2020، إلى مستوى جديد مع عقوبات صارمة تُعرف باسم قانون "حماية المدنيين"، "قيصر سورية".
يتميز القانون الجديد بوجهين احتياليين: يطلق عليه "قيصر" في إشارة إلى حيلة دعائية تورط فيها سوريّ مجهول عام 2014، يُزعم أنه مصوِّر عسكري. وزَعمَ أن لديه 55 ألف صورة تظهر نحو 11 ألف ضحية تعذيب، محمِّلاً المسؤولية عن ذلك للحكومة السورية. وكما قال كريستيان ساينس مونيتور في ذلك الوقت، كان تقرير "قيصر" «تمريناً دعائياً جيد التوقيت تموله قطر». أكد تحليل التقرير –الذي يتألف من 30 صفحة– في وقت لاحق أنَّ تقرير "قيصر" كان تزويراً، فحقيقة الصور كانت عكس ما تم ادعاؤه: إذ ما وُثِّق منها كان صوراً لجنود سوريين قتلى وضحايا مدنيين بسبب السيارات المفخخة والهجمات "المتمردة"، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يدّعي قانون قيصر "حماية المدنيين"، وهذا أيضاً وجه احتيالي آخر. فما يفعله قانون قيصر في الواقع، هو معاقبة الغالبية العظمى من سكان سورية، أي نحو 17 مليون شخص يعيشون فيها. وسيؤدي إلى معاناة آلاف المدنيين وموتهم بلا داعٍ.
العقوبات السابقة
كانت الولايات المتحدة لعقود عديدة معادية لسورية. وعلى عكس أنور السادات، رفضت سورية بقيادة حافظ الأسد عقد معاهدة سلام مع "إسرائيل". فتم تصنيف سورية "دولة راعية للإرهاب" وفرضت الولايات المتحدة العقوبات عليها لأول مرة عام 1979.
استقبلت سورية بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، نحو مليون لاجئ عراقي ودعمت المقاومة العراقية بطرق مختلفة. ورداً على ذلك، صعّدت الولايات المتحدة عليها العقوبات عام 2004.
في عام 2010، ضغطت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على سورية لتغيير سياستها الخارجية لتكون ودية أكثر تجاه "إسرائيل". إلا أن الرئيس السوري بشار الأسد رفض ذلك بشكل واضح. وعليه، قامت الولايات المتحدة بعد 12 شهراً، بدعم الاحتجاجات والعنف في سورية عندما بدأت في عام 2011 بالتعاون مع أوروبا ودول الخليج (قطر، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة) و"المعارضة" بسرعة، وفرضت المزيد من العقوبات.
وفي عام 2016، وبعد مضي خمس سنوات على الحرب، أُعدّ تقرير للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا عن تأثير العقوبات على الصعيد الإنساني في سورية. ذكر التقرير أن «العقوبات الأمريكية والأوروبية على سورية هي من أكثر العقوبات تعقيداً وأبعدها مدى من أي عقوبات واجهتها أي دولة أخرى». وتجعل هذه العقوبات الحال أكثر صعوبة وخطورة، حتى أنها منعت وصول المساعدات الإنسانية بشكل فعال. واختُتم التقرير بثلاث عشرة توصية للسماح بمرور المساعدات الإنسانية والإنمائية.
ولكن لم يكن هناك تساهُل أو تغيير في متاهة القواعد والعقوبات للسماح بالإغاثة الإنسانية. بل على العكس، بينما كانت الحكومة السورية تكافح لطرد الإرهابيين من شرق حلب، جنوب دمشق، ودير الزور، منعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كل المساعدات لإعادة الإعمار. وكانت الولايات المتحدة وحلفاؤها عازمين على عدم السماح لسورية بإعادة البناء والإعمار.
في عام 2018، أعدّ المقرر الخاص للأمم المتحدة، إدريس الجزائري، تقريراً عن التأثير السلبي للتدابير القسرية الانفرادية في حقوق الإنسان داخل سورية. وأشار إلى أنه من الصعب تبرير «التدابير القسرية المتخذة من جانب واحد بشأن المدخلات والمخرجات الزراعية والأدوية والعديد من المواد ذات الاستخدام المزدوج المتعلقة بالمياه والصرف الصحي والكهرباء العامة والنقل، وفي نهاية المطاف بشأن إعادة بناء المدارس والمستشفيات والمباني والخدمات العامة الأخرى، الآن أو في أي وقت مضى».
كانت المصانع السورية قبل عام 2011، تلبي 90% من الاحتياجات الصيدلانية. لا يمكن لتلك المصانع الآن التي لا تزال تواجه مشاكل في الحصول على المواد الخام، الحصول على قطع غيار للمعدات. فمثلاً، ستصبح أجهزة غسيل الكلى باهظة الثمن أو ستكون أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي من شركة سيمنز أو جنرال إلكتريك عديمة الجدوى، لأن سورية لا تستطيع استيراد قطع الغيار وبرامج التشغيل الخاصة بتلك الأجهزة. يمكن شراؤها على الورق، بمعنى أنَّ الشراءَ نظريّاً متاحٌ؛ لكنه واقعيّاً غير متاح.
عاد أكثر من 500 ألف مدني إلى حلب بعد طرد الإرهابيين في نهاية عام 2016. لكن تبقى مساعدات إعادة الإعمار محظورة بموجب العقوبات الأمريكية وقواعد الأمم المتحدة. يمكنهم الحصول على "وحدات السكن" البلاستيكية، ولكن لا يسمح بإعادة البناء بالزجاج والجدران الإسمنتية، لأن "إعادة البناء" ممنوعة. تصف هذه المقالة العديد من الأمثلة للحالات في حلب التي مزقتها الحرب.
يصف الكاتب تجربته الشخصية مع تأثير العقوبات. لم يتمكن صديقه السوري من الحصول على بطاريات السمع لشاب يعاني من ضعف في السمع. منعته العقوبات من القدرة على طلب السلعة بسبب إيقاف المعاملات الماليّة ومنع التسليم دون ترخيص خاص. كان من السهل شراء مخزون من البطاريات المخصّصة لذلك من الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يستغرق الأمر نحو عام للوصول إلى وجهته في سورية.
البلطجة الاقتصادية الأمريكية والإرهاب
يمتد "قانون قيصر" لتشمل عقوباته المواطنين والشركات الأمريكية إلى أيِّ أفراد وشركات. ويفرض القانون تطبيق القوانين الأمريكية على أي شخص كان. وتتضمن "العقوبات المتعلقة بالأجانب" حظر وحجز ممتلكات وأصول شخص أو شركة تبين أنها انتهكت القانون الأمريكيّ، ويضاف إلى ذلك غرامة مالية ضخمة. تم في عام 2014، تغريم أحد أكبر البنوك الدولية، بي إن بي باريباس (BNP Paribas)، بنحو 9 مليارات دولار بسبب انتهاك العقوبات الأمريكية ضد كوبا وإيران والسودان.
يدّعي "قانون قيصر" أن البنك المركزي السوري هو مؤسسة "رئيسة لغسل الأموال". ويهدف القانون إلى منع الشركات السورية من التصدير إلى لبنان أو الاستيراد منه. وكذلك سيصبح من الصعب أو المستحيل للغاية على السوريين في الخارج تحويل الأموال لدعم أفراد أسرهم في سورية.
تقوم الولايات المتحدة بإضعاف العملة السورية وتزعزع استقرارها. ففي تشرين الأول/أكتوبر من عام 2019، كان الدولار الواحد يساوي 650 ليرة، أما الآن، فبعد مرور ثمانية أشهر فقط، يبلغ سعر الدولار 2600 ليرة. ويعود جزء من ذلك إلى تهديد عقوبات "قانون قيصر".
أضف إلى ذلك الضغط الأمريكيّ الذي تمارسه الولايات المتحدة على لبنان، شريك سورية التجاري الرئيس، وهو سبب آخر. عادة ما يكون لبنان الشريك الرئيس في الصادرات والواردات. توعّد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في ربيع عام 2019، لبنان إن لم يغير سياساته –ويعد هذا تدخلاً صارخاً في شؤون لبنان الداخلية– سيلقى العقاب اللازم. وبالفعل بدأت الأزمة المصرفية في لبنان وسورية في خريف عام 2019.
هذا، ومع انخفاض قيمة العملة السورية، ارتفعت أسعار العديد من المواد بشكل هائل، وأمسى يستحيل الحصول على الكثير من السلع والمواد الزراعية والطبية والصناعية وغيرها من المواد الخام.
يتفاقم نقص الغذاء بعد إضرام النيران عمداً، في حقول القمح في شمال شرق سورية، التي تُعَدّ سلة الخبز في سورية، ومؤخراً، منعت الجماعات الطائفية في لبنان وصول شاحنات برنامج الغذاء العالمي التي تحمل مساعدات غذائية إلى سورية. في هذه الأثناء، تسيطر الولايات المتحدة والميليشيات التابعة لها في شرق سورية، على حقول النفط وتستفيد منها، بينما تعاني الحكومة السورية والمدنيون من نقص حاد في النفط والغاز.
جيمس جيفري والسياسة الأمريكية
في ندوة عقدت عبر الإنترنت في السابع من حزيران/يونيو الجاري، بيّن الممثل الأمريكي الخاص لشؤون سورية، السفير جيمس جيفري، بصفاقةٍ سياسةَ الولايات المتحدة، إذ إنها تسعى إلى منع سورية من إعادة الإعمار. وقال: «وضعنا كل ما يمكن تخيله من عقوبات في قيصر والمركب يغرق».  
ويستثنى من العقوبات:
1-محافظة إدلب التي تسيطر عليها "القاعدة" وقوات الاحتلال التركي.
2-شمال شرق سورية الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال الأمريكي ووكلاؤها الانفصاليون "قوات سوريا الديمقراطية".
وقد خصصت الولايات المتحدة 50 مليون دولار لدعم "المساعدات الإنسانية" لهذه المناطق. وسيضخ حلفاء آخرون للولايات المتحدة مئات الملايين من المساعدات و"الاستثمارات". يتم ضخ الدولار الأمريكي والليرة التركية في هذه المناطق في تكتيك آخر لتقويض العملة السورية والسيادة.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الغالبية العظمى من السوريين –نحو 17 مليوناً– يتعرضون للاختناق والأذى بسبب العقوبات القاسية.
تتعدد أهداف الولايات المتحدة ومنها: منع سورية من التعافي، وإطالة أمد الصراع وإلحاق الضرر بالدول التي ساعدت سورية. إذ وصف المبعوث الأمريكي إلى سورية جيمس جيفري مهمته بطريقة ساخرة وغير أخلاقية بشكل واضح: «مهمتي هي جعلها [سورية] مستنقعاً للروس». من الواضح أنه لم يكن هناك تغيير كبير في افتراضات وأهداف السياسة الخارجية، منذ أن بدأت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في التدخل في أفغانستان عام 1979.
في بيان "نهاية المهمة" لعام 2018، كان المقرر الخاص للأمم المتحدة دبلوماسياً، ولكنه واضح بشأن استخدام العقوبات القسرية من جانب واحد ضد سورية: «قد يكون استخدام هذه التدابير مخالفاً للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقواعد والمبادئ التي تحكم العلاقات السلمية بين الدول».
قيصر والديمقراطيون
تم الترويج للهجمات الاقتصادية وغيرها على سورية من قبل صقور اليمين، وبخاصة من المؤيدين المتحمسين لـ "إسرائيل". دفع إليوت إنجل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس، لإقرار "قانون قيصر" لسنوات. تم ذلك أخيراً عن طريق تضمينه في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2020.
في إشارة متفائلة بأن الأوقات قد تتغير، قد يعزل المسمى جمال بومان المرشح التقدمي، إنجل المرشح الديمقراطي في الانتخابات القادمة. تدعم هيلاري كلينتون وغيرها من صقور السياسة الخارجية إليوت إنجل. بينما يدعم بيرني ساندرز جمال بومان.
في حين أن هذا قد يوفر الأمل في المستقبل، أصبحت الغالبية العظمى من السوريين ضحايا لأوهام السياسة الخارجية الأمريكية والنفاق والسخرية والقسوة.

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات - مداد