سليم الأول

ربعة، قصير القامة، له وجه مغولي دائري، وعينان جاحظتان تشعان شرا، وشارب طويل مبروم. كان خفيفا فيه رهج بحركاته، يتلفت يمينه ويساره دون توقف. كما كان سريع الغضبة، شديد التقلب، يمتلك قلبا قاسيا وكبدا غليظا، لم يسلم منه أحد من أقربائه أو أباعده.. قتل إخوته فأفناهم، ودس السم لأبيه.. ذبح بيديه كثير من رجالات دولته، وسلط سيف نقمته على الآلاف في الأناضول والشام ومصر.. ولم تجف الدماء من يديه، حتى لطخها بسرقاته لتاريخ الشرق العظيم، محولا كنوزه إلى مدينته الرابضة على البسفور، إسطنبول. 

هذا هو السلطان العثماني سليم الأول، والذي سنعرض في السطور التالية ما نعرفه من حكايته..

البداية

وُلد سليم الأول في 10 أكتوبر سنة 1470، في مدينة أماسيا على ساحل البحر الأسود، للسلطان "بايزيد الثاني بن محمد الفاتح" و"عائشة جلبار خاتون"، الأميرة التركمانية. 

كان لسليم أخوان، هما "قرقود" و"أحمد". وكانوا الثلاثة يختلفون في المشارب، فكان "قرقود" محبًا للعلوم والآداب والفنون، وكان "أحمد" محبوبًا لدى الأعيان والأمراء. أما سليم فكان محبًا للحرب شرس الطباع ومحبوبًا لدى الجند عمومًا، والانكشارية خصوصًا. وقد وزع بايزيد الثاني أبناءه الثلاثة الأمراء على الولايات، فعين "قرقود" واليًا على إحدى الولايات البعيدة، و"أحمد" على أماسيا، وسليمًا على طرابزون.

الصراع على الملك

تولّى سليم إدارة طرابزون وهو ما زال في الحادية عشرة من عمره، واستمر يديرها طيلة 29 سنة، من عام 1481 حتى عام 1510. وخلال هذه الفترة تزوّج سليم بعائشة حفصة خاتون التي أنجب منها ولدًا هو سليمان (سلطان المستقبل سليمان القانوني)، في 27 أبريل سنة 1495.

في أواخر عهد السلطان بايزيد اشتعلت الحرب على ولاية عهده بين الأمراء الثلاثة. فقد أقدم السلطان على تعيين الأمير سليمان بن سليم واليًا على "كافا" من بلاد القرم، فلم يرض سليم بهذا التعيين، بل ترك مقر ولايته وسافر إلى كافا بالقرم، وأرسل إلى أبيه يطلب منه تعيينه في إحدى ولايات أوروبا، فلم يقبل السلطان بل أصرّ على بقائه بطرابزون.

وفي ذات الوقت خشي "أحمد"، أكبر أولاد السلطان، من سعي سليم إلى العرش، فاغتنم مسألة انتصاره حديثًا على جيش مكوّن من تحالف تركماني-صفوي في آسيا الصغرى، وسار إلى القسطنطينية على رأس جنوده ليستعرض مقدرته العسكرية أمام والده وأشقائه على حد سواء. وما إن علم سليم بفعل أخيه حتى أثار فتنة في تراقيا وعصي والده جهارًا، وسار بجيش جمعه من قبائل التتار إلى بلاد الروملّي، فأرسل والده جيشًا لإرهابه، لكنه لمّا وجد من ابنه التصميم على المحاربة وعدم ارتداعه، قبل تعيينه بأوروبا حقنًا للدماء، وعينه واليًا على مدينتيّ "سمندريه" و"ڤيدن" في الصرب، ورفض السماح لابنه الآخر "أحمد" بالدخول إلى العاصمة خوفًا من أن يُقدم الأخير على خلعه أو قتله ليتولى مقاليد السلطنة.

ولمّا وصل إلى "قرقود" خبر نجاح أخيه سليم في مسعاه، انتقل إلى ولاية صاروخان واستلم إدارتها بدون أمر أبيه ليكون قريبًا من القسطنطينية عند الحاجة.

وفي ذلك الوقت كان السلطان بايزيد قد دعا ديوانه للانعقاد والتشاور في مسألة تنصيب أحد الأمراء خلفًا له، فاستقر الرأي على تنصيب الأمير "أحمد" سلطانًا، فغضب سليم ما إن وصله الخبر، وأعلن الثورة على والده، فسار إلى مدينة أدرنة واستولى عليها وأعلن نفسه سلطانًا، فأرسل والده إليه جيشًا قوامه 40,000 رجل فهزمه في الثالث من أغسطس سنة 1511 وألجأه إلى الفرار ببلاد القرم. وأرسل جيشًا آخر لمحاربة "قرقود" بآسيا الصغرى، فهزمه أيضًا وفرّق جيشه، ثم كتب إلى "أحمد" يطلب منه المجيء إلى القسطنطينية فورًا وتولّي مقاليد الحكم، فدخل المدينة في اليوم التالي وأُعلن سلطانًا، ويُقال أن من أشار بضرورة تنصيب "أحمد" على العرش كان الصدر الأعظم "علي باشا"، الذي لم يؤمن بأحقية سليم أو قرقود في خلافة بايزيد.

ثار الانكشارية في المدينة بعد أن تمّ تنصيب الأمير أحمد على العرش العثماني، ورفضوا الاعتراف به حاكمًا عليهم وطالبوا السلطان بايزيد بالعفو عن ابنه سليم وإعادته إلى ولاية سمندرية لشدة تعلقهم به، واعتقادهم بأنه هو الوحيد المؤهل لرد الصفويين عن الدولة العثمانية، لاسيما وأن شاه الصفويين، "إسماعيل الأول بن حيدر"، كان يناصر الأمير أحمد في نضاله للوصول إلى سدّة الحكم.

سليم سلطانا

وبناءً على إلحاح الانكشارية، عفا السلطان عن ابنه سليم وسمح له بالعودة إلى ولايته، وفي أثناء توجهه إليها قابله الانكشارية وأتوا به إلى القسطنطينية باحتفال زائد وساروا به إلى سراي بايزيد وطلبوا منه التنازل عن المُلك لولده المذكور، فقبل وتنحّى عن العرش في يوم 25 أبريل سنة 1512م، وتولّى سليم مقاليد الحكم رسميًا في الثالث والعشرين من مايو من نفس السنة.

وبعد أن تنازل بايزيد عن الحكم، سافر للإقامة ببلدة "ديموتيقا"، فتوفي في الطريق يوم 26 مايو سنة 1512، ويقال إن سليم دس إليه السم خوفًا من رجوعه إلى العرش.

هكذا توج سليم سلطانا فوق رماح الانكشارية. وراح يرد لهم الجميل بأن زاد من المكافآت الموزعة عليهم بعد تنصيبه. وما إن تولّى سليم مقاليد الحكم حتى أعلن أخوه أحمد العصيان ورفضه الخضوع له، ونصب نفسه حاكمًا على أنقرة، وأرسل ابنه "علاء الدين" فاحتل مدينة بورصة في 19 يونيو سنة 1512، وراسل الوزير "مصطفى باشا" يخبره عن عزمه توطيد نفوذه وخلع أخيه ووعده بمنصب كبير إن نقل إليه جميع تحركات سليم ونواياه.

وكان السلطان سليم قد عقد العزم على القضاء على إخوته وأولاد إخوته حتى يهدأ باله ولا يبقى له منازعٌ في المُلك، فعيّن ابنه سليمان حاكمًا للقسطنطينية، وسافر بجيوشه إلى آسيا الصغرى، فاقتفى أثر أخيه أحمد إلى أنقرة، ولم يتمكن من القبض عليه لوصول خبر قدومه إليه عن طريق الوزير "مصطفى باشا". لكن علم السلطان بهذه الخيانة فقتل الوزير شر قتلة، ثم ذهب إلى بورصة حيث قبض على خمسة من أولاد إخوته بما فيهم "علاء الدين" سالف الذكر، وأمر بقتلهم جميعًا. وبعدها توجّه بسرعة إلى صاروخان مقر أخيه "قرقود" ففر منه إلى الجبال، وبعد البحث عنه عدّة أسابيع قُبض عليه وقُتل. 

أما أحمد فجمع جيشًا من محاربيه وقاتل الجنود العثمانية، فانهزم وقُتل بالقرب من مدينة يكي شهر في يوم 24 أبريل سنة 1513. وبهذا استفرد سليم بالحكم، فعاد إلى مدينة أدرنة حيث كان بانتظاره سفراء من قبل جمهورية البندقية ومملكة المجر ودوقيّة موسكو والسلطنة المملوكيّة، فأبرم مع جميعهم هدنة لمدة طويلة بما أن مطامعه كانت متجهة إلى بلاد فارس التي كانت أخذت في النموّ والاتساع في عصر ملكها، الشاه "إسماعيل الأوّل الصفوي".