أحمد الدرزي 

أدركت الإمارات أنها تستطيع أداء دورٍ مهم انطلاقاً من البوابة السورية، بالتنسيق مع روسيا وإيران، ما دفعها مبكراً إلى استثمار الضوء الأميركي البرتقالي.

 
تلقَّف السوريون بكلّ أطيافهم نبأ لقاء الرئيس بشار الأسد وحاكم دبي محمد بن راشد، وبعدها محمد بن زايد، كلٌّ من زاويته التي ركن إليها، بعد حرب كارثية مزقت نسيجهم الاجتماعي والوطني، وكلٌّ منهم يسأل: إلى أين؟ ولم يتوقف الأمر عندهم، بل تجاوزهم نحو عواصم القرار الدولي والإقليمي، وإن تشابكت مصالحها في الساحة السورية أو تضاربت، فأين الجميع من هذه الزيارة التي فاجأت الجميع؟

وعلى الرغم من فجائيّة الحدث، فإنه لم يخرج عن السياق العام للعلاقة بين سوريا والإمارات، وخصوصاً بعد اندلاع الحرب في سوريا. ورغم الضغوط الأميركية والأوروبية على أبو ظبي لقطع العلاقات مع دمشق، وفرض التمويل لبعض المجموعات المسلحة السورية، بما في ذلك قوات "قسد" في الجزيرة السورية، فإنها لم تقطع علاقتها نهائياً بدمشق، وحرصت على أن لا تكون منصة للمعارضة السورية، ومنعت استخدام الأعلام البديلة عن العلم الرسمي أيضاً.

لم يكن هذا الموقف إلا تعبيراً عن هواجس حقيقية من نجاح المشروع الأميركي في تغيير كل الأنظمة السياسية العربية، وإحلال حركات الإخوان المسلمين بديلاً منها، وهو ما أدركته أبو ظبي والرياض، اللتان انخرطتا في إسقاط حكم الإخوان في مصر، بالتوافق مع البنتاغون الأميركي، الذي كان له رأي مختلف عن الديمقراطيين بشأن اعتماد الإسلاميين بديلاً سياسياً حاكماً.

ورغم المسارات السياسية المتعرجة للإمارات، وخصوصاً بعد ذهابها بعيداً في التعويل على أداء دور أكبر بكثير من حجمها الجغرافي والديموغرافي والتاريخي، وفتح علاقات مباشرة مع "إسرائيل"، وخصوصاً في مجال التعاون الأمني، فقد تحولت إلى مركز تقاطع للقوى الإقليمية والدولية، وبدأت تعيد حساباتها السياسية، بعد أن أيقنت بأن الولايات المتحدة عاجزة عن تأمين الحماية لها، وأدركت أن الانكفاء الأميركي الواضح تملأه روسيا والصين، وأن إيران ليست بعيدة عن ذلك، وأن لهاث الولايات المتحدة للعودة إلى الاتفاق النووي سيؤدي إلى تغير النظام الإقليمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.

سلكت السياسات الإماراتية مسارات متناقضة مع أقطاب متناقضة، "إيران وتركيا وإسرائيل"، ولكنّها أدركت أن ذلك غير قابل للاستمرار، وأنها تستطيع أداء دورٍ مهم انطلاقاً من البوابة السورية، بالتنسيق مع روسيا وإيران، ما دفعها مبكراً إلى استثمار الضوء الأميركي البرتقالي، فافتتحت سفارتها في دمشق في العام 2018، لتنطلق في نسج علاقات جديدة مع سوريا، استباقاً لمتغيرات المستقبل، وبعد إدراكها سقوط مشروع الإسلام السياسي على أبواب دمشق إثر دخول طهران وموسكو على خطوط المواجهة. 

في المقابل، تستند السياسة السورية تاريخياً إلى إدراك مسألة هشاشة الجغرافيا السياسية لسوريا، والتي تدفع كل الإمبراطوريات والقوى الكبرى للسيطرة عليها، وأن استمرار الدولة يستند إلى محاولات إقامة توازن في علاقاتها بين القوى الإقليمية الكبرى من جهة، والعمل على بناء التوازن بين الغرب والشرق من جهة أخرى. وقد نجحت بذلك لعقود أربعة، وخصوصاً في ظل الفراغ الإقليمي بعد توقيع مصر على اتفاقية "كامب ديفيد"، والتنازل عن دورها الإقليمي لمصلحة الكيان "الإسرائيلي".

أفقدت نتائج الاشتباك الدولي والإقليمي سوريا مَلَكَةَ التوازن في علاقاتها، بعد أن بدأت المعادلات الإقليمية والدولية بالتغير، واتضح قلق الولايات المتحدة من فقدان هيمنتها على العالم، فظهر الصراع الدولي والإقليمي على سوريا وفيها، بعنوان ممرات الغاز ومنابع الطاقة، وكان هدفه إلزام دمشق بأن تنحاز إلى المشروع الأميركي، وضرورة تحديد موقعها الجيوسياسي في إطار الصراع المصيري على مستقبل النظام الإقليمي والدولي، فلم تقبل دمشق بذلك، واختارت أن تكون إلى جانب الدول الصاعدة، وخصوصاً أن تجارب العلاقة مع الولايات المتحدة هي بالعموم كارثية على أي بلد، وليس لها أصدقاء أو حلفاء أو "عملاء"، بل أدوات للاستخدام، كما عبَّرَ عن ذلك وليم كيسي، رئيس الاستخبارات الأميركية السابق، في مذكراته.

ما نشهده اليوم هو محاولات جميع الدول في المنطقة لحجز الدور الذي يليق بها كما تتخيله وتطلبه، وهو الجانب الذي أتاح لدمشق المجال كي تستثمر الفرصة لتستعيد دورها، بمساعدة روسيا وإيران، من البوابة الإماراتية، كي تعود إلى سابق عهدها كنقطة توازن بين الشرق والغرب، وبين إيران والدول العربية، وبين تركيا الرافضة حتى الآن أي مساهمة في إيجاد مخارج للكارثة، قبل الوصول إلى حل سياسي يتيح لها السيطرة على كامل الجزء الشمالي لسوريا، والاعتراف بنفوذها على ما تبقى من سوريا.

وعلى الرغم من هذه الخطوة الجديدة والمفاجئة، فإنَّ آفاق الانفراج على السوريين ما زالت بعيدة، بانتظار نتائج الحرب في أوكرانيا، وطبيعة الموقف الروسي من تركيا، ودور الولايات المتحدة، وأمن "إسرائيل". قد يتطلب الأمر سنوات قبل أن تتضح الصورة النهائية، على الرغم مما يمكن أن تقدمه العودة إلى الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

وليس أمام السوريين سوى اجتراح حلول مخففة، بالاشتراك مع حلفائهم وأصدقائهم، كي يبدأوا مرحلة التعافي الطويل الأمد.

المصدر: الميادين نت