المصدر: ذي ناشونال انترست


 
يقول كاتب المقال في موقع "ذي ناشونال انترست"، إن بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يثير عدداً من العوامل الجديدة التي قد يكون لها عواقب سلبية على الصين.

يكتب الكسندر لوكين في  موقع "ذي ناشونال انترست" عن الموقف الصيني إزاء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ويبحث في وضع الصين والتحديات التي تواجهها بناء على موقفها من العملية، وخصوصاً أن روسيا حليفة موثوقة لبكين، وتجمعهما الكثير من المصالح المشتركة، وأهمها مواجهة الولايات المتحدة..

فيما يلي النص الكامل للمقال منقولاً إلى العربية:

تواجه السلطات الصينية تحديات كبيرة  بشأن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. فمن جهة، وصل تقارب العلاقات بين بكين وموسكو إلى مستوى غير مسبوق منذ سنوات طويلة. إضافة إلى أهمية روسيا كمورد رئيسي للمواد الخام، وموقعها القيم كحليف جيوسياسي في المواجهة مع الولايات المتحدة التي فرضت على الصين خلال رئاسة دونالد ترامب. ما دفع بوزير الخارجية وانغ يي الى اطلاق جملته الشهيرة في كانون الثاني/يناير 2021: " التعاون الاستراتيجي الصيني الروسي ليس له حدود ولا مناطق محظورة ولا سقف". وبعد عام، عززت الصين وروسيا هذا الخط السياسي في بيان مشترك تم اعتماده خلال زيارة الرئيس فلاديمير بوتين لبكين، التي ضمنت البيان المشترك بشكل واضح بمطالب روسيا بوقف تمدد حلف شمال الأطلسي، ودعوته للتخلي عن مقاربات الحرب الباردة الأيديولوجية، واحترام سيادة وأمن ومصالح البلدان الأخرى، وتنوع خلفياتها الحضارية والثقافية والتاريخية، وممارسة موقف عادل وموضوعي تجاه التنمية السلمية للدول الأخرى.

ومن جهة أخرى، أثار بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عدداً من العوامل الجديدة التي قد يكون لها عواقب سلبية على بكين:

أولاً، يدعو هذا الوضع الفريد إلى التشكيك في الخط الإيديولوجي الكامل لجمهورية الصين الشعبية، والذي يهدف إلى توفير أساس منطقي للاختلاف الأساسي بين سياسات الهيمنة العدوانية للولايات المتحدة وحلفائها، مع عدم احترامها لجمهورية الصين الشعبية وسيادتها ووحدة أراضيها والمعايير المزدوجة التي تظهرها تجاه الدول المطيعة والمستقلة، وتوجه الصين المحب للسلام، والتعايش السلمي والتعاون البناء مع الجميع، بما في ذلك الغرب.

ثانياً، خلقت الحالة الجديدة من عدم الاستقرار التي حدثت مؤخراً في أوروبا، والناجمة عن الأعمال المسلحة والعقوبات الغربية والإجراءات الانتقامية من قبل روسيا، مشاكل للاقتصاد الصيني؛ ارتفاع أسعار الطاقة واحتمال تأثر الشركات الصينية بشكل غير مباشر بالعقوبات الموجهة ضد روسيا، إلخ.

ثالثاً، مع استمرار العملية، أثيرت شكوك في الصين حول قدرة روسيا على تحقيق أهدافها بسرعة والخروج من الصراع أقوى.

يواصل الكتاب الصينيون بشكل عام، القول إن الصراع الحالي ناتج عن سنوات من السياسات الأميركية الاستفزازية، التي أدت إلى إشعال فتيل الحرب الحالية في أوكرانيا.  بالإضافة إلى "الخطيئة الأساسية" باستمرار حلف "الناتو" بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وكان من المفترض منطقياً حله. بالطبع على روسيا  أيضاً، التقيد الصارم بالمبدأ القائل: "لا يمكن ضمان أمن دولة واحدة على حساب أمن البلدان الأخرى". على هذا لا تنحاز الصين  إلى أي طرف، وتعارض لعبةً محصلتها صفر، وتدعو إلى تسوية سلمية للأزمة.

فيما يتعلق بالموقف الرسمي للصين، فقد تم التعبير عنه في بيانات رسمية من وزارة الخارجية الصينية والقيادات الحكومية. كذلك أوضح  سفير الصين لدى الولايات المتحدة تشين جانج، بمقالة نشرها في 15 آذار/مارس في صحيفة "واشنطن بوست" مخصصة للجمهور الغربي، رفض عبرها الدبلوماسي الصيني مزاعم وسائل الإعلام الأميركية بأن الصين كانت على علم مسبق بخطط روسيا وطلبت من موسكو تأجيل عملها العسكري حتى انتهاء دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين.

وأشار إلى أن الصين كانت شريكاً تجارياً رئيسياً لكل من روسيا وأوكرانيا، وأن أكثر من 6 آلاف مواطن صيني يعيشون في أوكرانيا، وقال إن الصين كانت ستفعل كل ما في وسعها لمنع نشوب نزاع مسلح إذا كانت قد علمت به مسبقاً.

كما نفى السفير الصيني المزاعم القائلة بأن موسكو طلبت المساعدة من بكين، وأشار إلى أن الصين تدعم محادثات السلام و"ستواصل تنسيق الجهود الحقيقية لتحقيق سلام دائم" لأن هدفها النهائي هو "إنهاء الحرب ودعم الاستقرار الإقليمي والعالمي". 

أكد الزعيم الصيني شي جين بينغ أيضاً هذا الموقف خلال اجتماع عبر الإنترنت مع الرئيس الأميركي جو بايدن في 18 آذار/مارس، عندما أعلن أن "الصين تؤيد السلام وتعارض الحرب، وهذا جزء لا يتجزأ من تاريخ الصين وثقافتها". ورفض "شي" الجهود الأميركية لإجبار الصين على ممارسة ضغوط أحادية الجانب على روسيا، ودعا جميع الدول إلى دعم روسيا وأوكرانيا في إجراء مفاوضات وحوار مثمر قد يؤدي إلى السلام.

كما دعا الولايات المتحدة إلى الدخول في حوار مع روسيا من أجل معالجة القضايا الجوهرية للأزمة الأوكرانية وتخفيف المخاوف الأمنية لكل من روسيا وأوكرانيا.

التصريحات التي أدلى بها مسؤولون صينيون خارج نطاق الحوار مع الأميركيين أكثر انتقاداً لواشنطن. على سبيل المثال، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية تشاو ليجيان في 17 آذار/مارس إن قرار الحكومة الأميركية بتوسيع الناتو إلى الشرق مرتبط بشكل مباشر بالأزمة الحالية في أوكرانيا، وأن مفتاح حل الموقف يكمن في أيدي الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

ودعا الولايات المتحدة إلى التفكير بعمق في دورها في تطور الأزمة الأوكرانية وبذل جهد ملموس لنزع فتيل الأزمة. وفي خطاب ألقاه يوم 19 آذار/مارس، قدم نائب وزير الخارجية لي يوتشنغ حجة مماثلة، وانتقد بشدة عقلية التكتل المسيطرة على عقلية "الناتو" واستمرار وجوده  أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي، وكذلك انتقد العقوبات الأحادية الجانب المفروضة على روسيا دون أي تفويض من مجلس الأمن في الأمم المتحدة، ووصف هذه الأفعال بأنها محاولة "لاستخدام العولمة كسلاح".

وكان مندوب الصين في الأمم المتحدة تشانغ جون، وافق على التفسيرات الروسية، مشدداً على أهمية عدم تجزئة الأمن والدعوة إلى نبذ تفكير الحرب الباردة تجاه الأزمة الأوكرانية.

يمكن صياغة موقف الصين على النحو التالي: 

1- تعارض الصين العمل العسكري ولا تريده، وتدعو إلى تسوية سلمية مبكرة والحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا.

2- تعتقد الصين أن العمل العسكري الروسي كان نتيجة لسياسة أميركية استفزازية، وفي مقدمتها توسع "الناتو".

3- كان رد فعل موسكو مفرطاً، ولا ينبغي للصين أن تؤيد هذا المسار.

4- تظل روسيا شريكاً بالغ الأهمية، وأي تسوية سلمية يجب أن تأخذ في الاعتبار مخاوفها المشروعة، وكذلك مخاوف أوكرانيا.

إن الفكرة القائلة بأن الصين تعتبر رد فعل روسيا مفرطاً تدل بشكل خاص على حقيقة أن المسؤولين الصينيين صاغوا موقفهم بطريقة يمكن تفسيرها كانتقاد للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك روسيا.

عندما التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون زانغ مينغ، دعا إلى معارضة قوية لإحياء عقلية الحرب الباردة وخلق مواجهة بين الكتل، وأبدى معارضة قاطعة للعقوبات الأحادية غير القانونية، ودعا إلى احترام مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ودعم العدالة الدولية. 

نتيجة لذلك، فإن الدعوات الأميركية الحالية للصين للمساعدة في محاولات خنق موسكو لا يمكن أن تلقى ترحيباً إيجابياً في بكين، وهم  يدركون جيداً أنه بمجرد أن تنتهي الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من روسيا، فسوف يضاعفون جهودهم لكبح جماح الصعود الصيني.

ولن تكون الولايات المتحدة قادرة على ترهيب بكين لتغيير موقفها من روسيا من خلال العقوبات، وربما لخصت ليو شين، مقدمة البرامج، جوهر المقترحات الأميركية الحالية بشكل أفضل، حيث كتبت على حسابها على تويتر: "ساعدني في محاربة صديقك حتى أستطيع التركيز على محاربتك لاحقاً؟".

إن الصين لا تستفيد من إضعاف روسيا. ومن المرجح جداً أن تمدها بكل مساعدة ممكنة لتجنب التأثير الثانوي للعقوبات الأميركية، مع إقناع روسيا أيضاً بإيجاد حل الموقف في أسرع وقت ممكن. ومع ذلك، فإن التعاون الوثيق مع روسيا في المستقبل سيعتمد على المصالح الجيوسياسية البحتة أكثر من اعتماده على رؤية مشتركة للنظام العالمي.

 

نقله إلى العربية: حسين قطايا