أثارت التصريحات الإعلامية الصادرة عن نائب رئيس الحكومة اللبناني، سعادة الشامي، حول إفلاس دولته ومصرفها المركزي، جدلاً واسعاً في سوريا، لا سيما مع وجود الكثير من أصحاب الأموال السوريين الذين أودعوا أموالهم في المصارف اللبنانية سواء تلك المرتبطة بالمصرف المركزي أو المرتبطة بالمصارف الخارجية.
لم يستمر هذا التصريح طويلاً، ليظهر حاكم مصرف لبنان المركزي، رياض سلامة، وينفي ما جاء به “الشامي” جملة وتفصيلاً، لافتاً إلى أنه على الرغم من وجود الخسائر الكبيرة التي أصابت القطاع المالي، والتي هي قيد المعالجة وفق خطة التعافي التي أطلقتها الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، إلا أن المصرف لا يزال يمارس كافة المهام الموكلة إليه.
نفي “ذكي”.. والحل هو التسوية
في حديث خاص لـ”سبوتنيك”، وصف رئيس هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية عابد فضلية، تصريح حاكم مصرف لبنان، بـ “التصريح الذكي”، معتبراً أن كلا التصريحين صحيحان (الشامي وسلامة)، مفسرا ذلك بالقول: “من جهة، قد يفهم البعض غير المختص أن الإفلاس يعني أن الحكومة اللبنانية أصبحت ثروتها صفر ليرة لبنانية، وهذا الأمر غير صحيح، لذا جاء النفي في مكانه وخاصة أن (سلامة) لم يوضح معنى الإفلاس، ومن جهة أخرى فإن أي دولة تستطيع قانونياً واقتصادياً أن تعلن إفلاسها وذلك عندما يكون ما يحوزه المدين -أي المصرف، أقل مما يترتب عليه دفعه للدائنين -وهم الأشخاص الذين أودعوا أموالهم في المصارف، وهذا الأمر صحيح أيضاً”.
“لا يحق لأي شخص أودع أمواله لدى المصرف المركزي أن يرفع دعوى على المصرف وأن يسترد أمواله بالإجبار”، هكذا أجاب فضلية على استفسارات السوريين الذين أودعوا أموالهم لدى المصارف اللبنانية حول أحقّيتهم باستردادها، معيداً ذلك إلى أن “إعلان الإفلاس هو حالة قانونية تسمح بها الأنظمة المرعية عندما يكون هناك عجز بتغطية الالتزامات المالية بنسبة معينة، وعلى أساس هذه النسبة يتم فتح باب التقدم بطلبات تسوية لكل شخص أودع أمواله لدى المصرف، فمثلاً في حال كانت نسبة العجز تصل إلى 60% فيستطيع المتقدم أن يسترد 40% فقط من أمواله التي أودعها، وإلا ستضيع أمواله كافة”.
35 مليار دولار.. خسائر للمرة الرابعة
وفي السياق، بيّن فضلية أنه لا يوجد أرقام حقيقية حول مقدار الكتلة النقدية للسوريين في لبنان، وذلك بسبب السرية المصرفية، ولكن تشير الأرقام التقديرية إلى وجود 28-35 مليار دولار للسوريين في المصارف اللبنانية، لافتاً إلى أن هذه الكتلة تفوق أموال اللبنانيين في المصارف، واصفاً الاقتصاد اللبناني بالاقتصاد “المقعد” وهذه حالة قلّما تحدث في التاريخ، وذلك بسبب الحصار والعقوبات والحرب الاقتصادية والمقاطعة والأسباب السياسية وسوء الإدارة والسرقة والنهب والتبذير، ناهيك عن الفوضى بإدارة الاقتصاد.
وكشف فضلية أن “خسائر السوريين في لبنان توالت أربع مرات، أولها عندما أصدر المصرف المركزي اللبناني قراراً بسحب الأموال المودعة بالليرة اللبنانية حصراً وبالسعر الرسمي، عندما كان السعر في السوق السوداء يصل إلى الضعف على الأقل، أما الخسارة الثانية فتمثلت بالصعوبة الكبيرة التي طرأت على التحويل من المصارف اللبنانية لتسديد ثمن المستوردات، إذ لم يعد بِإمكان السوريين العمل بحرية وثقة في لبنان، إضافة إلى العرقلة التي أصابت التحويلات المالية من المغتربين السوريين -وهم بالملايين- إلى عائلاتهم في سوريا عبر مصارف لبنان، وبالتالي تأثر دعم الأسر السورية من قبل أبنائهم في الخارج ولو كان ذلك يتم بشكل غير شرعي عبر وسطاء، ناهيك عن الغلاء الفاحش في كلا الدولتين الذي أثر على تبادل البضائع والنشاط العائلي الفردي بين سوريا ولبنان، وأخيراً إعلان الإفلاس الذي صدر مؤخراً”.
الكثير من الأموال الضائعة.. فاسدة!
ومن جهة أخرى، أعاد فضلية إيداع السوريين أموالهم في المصارف اللبنانية إلى عدة أسباب، أهمها أن المصرف المركزي اللبناني أصبح يعطي فوائداً كبيرة غير مسبوقة في التاريخ وصلت إلى 11%، إضافة إلى وجود خلل في القوانين وعدم مرونة التشريعات السورية وتعقيد التعليمات التنفيذية، والأهم من ذلك الحصار الاقتصادي الذي جعل الكثير من رجال الأعمال المصدرين والمستوردين يودعون أموالهم في المصارف اللبنانية، نظراً لسهولة التعاملات المالية فيها، ولاتخاذها طريقاً لعبور الصادرات والمستوردات من وإلى سوريا.
وأردف بأن الكثير من هذه الأموال هي أموال اقتصاد الظل الناتجة عن الفساد والكثير من الطرق الغير شرعية، لذا فضّل أصحابها ألا يودعوها في المصارف السورية أو أن تبقى في منازلهم، لكون المصارف اللبنانية أكثر أماناً وسريّة.
الإفلاس فرصة ذهبية لسوريا
وأوضح فضلية أن هذه الإيداعات ليست وليدة الأزمة في سوريا، وإنما هي موجودة في لبنان منذ خمسينيات القرن الماضي، أي بعد تفكك المصرف المركزي السوري اللبناني وإنهاء العملة الموحدة بين البلدين، مشيراً إلى أنه كان يجب على الجهات المالية السورية المسؤولة عن السياسة النقدية أو تحريك النقد في سوريا حينها أن تعدّل وتضع تشريعات تسهّل دخول القطع للسوريين وغيرهم وخروجه بالطرق القانونية، ملقياً اللوم الكبير على الجانب السوري الذي لم يستطع اجتذاب تلك الأموال قبل الحرب للتعامل مع المصارف السورية بدلاً من اللبنانية.
ويرى فضلية أن الحكومة السورية اليوم أمام فرصة ذهبية تاريخياً ومرحلياً، لتشجيع تحويل الأموال بشكل رسمي إلى سوريا عبر الطرق الممكنة، إضافة إلى تعديل إجراءات إدخال القطع الأجنبي والتعامل معه داخل سوريا ليصبح بشكل أسهل، وإعادة النظر بقوانين الاستثمار سواء للسوريين المغتربين أو العرب والأجانب، فهناك الكثير من الشركات والمستثمرين اضطروا أن يبتعدوا عن لبنان، فلذلك أمامهم الخليج ومصر والأردن ولكن أمامهم سوريا أيضاً.
وفي ختام حديثه، أشار إلى أن بعض السوريين يطالبون الحكومة بأن تتدخل لاستعادة أموالهم، ولكن هذا الأمر غير ممكن لأن المسألة ليست حكومية كون الأموال خاصة، إضافة إلى أن إعلان الإفلاس هو إجراء قانوني، لذا لا يمكن لأي حكومة في العالم أن تحصّل كامل أموال مواطنيها التي فُقدت في لبنان إلا عن طريق أسس التسويات التي سيتم وضعها بعد إعلان التعثر ونسبته.
“عملية نصب كبيرة بطلها المركزي اللبناني”!
على النقيض، وحال لم يكن أمر الإفلاس صحيحاً، فقد اعتبر الباحث الاقتصادي السوري عمار يوسف، أن نسبة المخاطرة في أموال السوريين واحتمال ضياعها تصل إلى 100%، لافتاً إلى أن كافة هذه الأموال هي أموال غير مسترجعة أو مستردة لعدة أسباب، أولها أن الحكومة اللبنانية ليس لديها تغطية كافية لإعادة الودائع الموجودة سواء للسوريين أو لغيرهم، وفضلاً عن ذلك فإن السوريين هم الجانب الأضعف في إعادة ودائعهم نظراً للعقوبات المفروضة عليهم في البنوك.
واتفق اليوسف مع سلفه فضلية بأن الإفلاس لم يأتِ بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما بمعناه التقني أي أن الحكومة اللبنانية ستتخلى عن كل ما كانت تقوم به سواء السيطرة على الليرة أو عمليات الاستيراد المدعومة من قبل المصرف المركزي اللبناني.
وتوقّع اليوسف أن تفوق نسبة عجز المصرف الـ 99%، لافتاً إلى أن مصرف لبنان المركزي قام بعملية نصب كبيرة على المودعين لديه، فمثلاً استثمر أموال السوريين دون تشغيلها على شكل قروض للمواطنين اللبنانيين دون فوائد، أو كمبالغ لاستيراد المواد النفطية.