المهندس: ميشيل كلاغاصي
 
خمسة أعوام في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، تابعت فيها فرنسا مسار الانحدار والضياع السياسيَّين. لم يستطع فيها التفوق على من سبقوه على مدى ربع قرن، إذ وعد بالكثير ونفذ القليل. حقبةٌ سيئةٌ بامتياز، لم تخلُ من حراكٍ شعبي غامض تحت عنوان السترات الصفراء. أراد اعتلاء الهرم الأوروبي سياسياً، وعسكرياً داخل الناتو وخارجه، لكنه اصطدم بميركل ألمانيا، فاكتفى بالسير إلى جانبها وربما خلفها. وبحثاً عن إصلاح النظام العالمي، وعن مستقبلٍ ومصيرٍ أوروبيَّين، بعيداً عن هيمنة الولايات المتحدة الأميركية، تخبَّطت فرنسا في عهده، واضطرت إلى الانسحاب من سوريا ومالي، وفرّ جنودها في أفريقيا، وتاهت خطاهم في اّسيا، وغادروا أفغانستان خائفين ومن دون وداع. تأرجح بين التقارب والتباعد مع الأحلاف من دون أن يجد نفسه. تبخّر كلامه على الجيش الأوروبي، وامتعض من تحالف أوكوس.
خذلته واشنطن ترامب، وأكثر منها واشنطن بايدن، وطبع أوراق نَعْيِ الناتو عام 2019 عبر حديثه عن "الموت الدماغي'' للحلف. راوغ مع من راوغوا في الملف النووي الإيراني، وهُمِّش معهم. انخفضت نِسَب تأييده الشعبي ومعنوياته على نحو غير مسبوق، فسعى لرفعها في الشرق الأوسط، بلقاء السيدة فيروز، وبقبلاتٍ لبنانية.. حاول الاستفادة من الأزمة الروسية – الأوكرانية، وحلم برفع شارة النصر إلى جانب الزعيم بوتين، عوضاً من الرئيس بايدن، واعتقد بقدرته على منع الحرب الأكيدة، لكنه سرعان ما التحق بجوقة القطيع الأوروبي، بعد تأكيد الروس أن "الهياكل القوية في غير مكان"، وليست في فرنسا. دخل سوق العقوبات الأميركية، وقدم سلعه مجاناً. عاقب فرنسا أم روسيا، لا أحد يدري، وهذا ما سيكشفه رضا الشارع الفرنسي أو غضبه لاحقاً، وعبر صناديق الاقتراع الانتخابية الرئاسية الفرنسية.
الانتخابات وأجواؤها واستطلاعاتها تشي بفرصةٍ كبيرة في فوز ماكرون مجدداً، لكن الواقع قد ينبئ برواية ثانية. فأغلبية الفرنسيين قد يعزفون عن المشاركة والتصويت، بينما فقدت الأغلبية الساحقة ثقتها بجميع الأحزاب السياسية من دون استثناء، وسط غياب الملامح الحزبية. ولم يعد اليسار يشبه اليسار، وكذلك أحزاب الوسط، وتحوّرت أحزاب اليمين المتطرف نحو الاختصاص في التطرف، فمنها من يدعم محاربة المهاجرين غير النظاميين وإغلاق الحدود، وآخرون يخشون "استبدال" الفرنسيين الأصليين وإحلال المهاجرين بدلاً منهم، بينما يخشى المسلمون أن يتحولوا إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وسط شعورهم بالاضطهاد، وتضييق الخناق ومنع الحجاب، ناهيك بتردّي الحالة الاقتصادية للفرنسيين، وباتوا يحلمون بفرنسا التي تسمع أصواتهم، وتُعِيْنهم على تخطي الظروف الصعبة، وزيادة الرواتب والأجور، وتحسين القدرة الشرائية، وتخفيض الضرائب، وتعدهم بحلول حقيقية للبطالة، وبرفع سن التقاعد. 
لم يعد مهماً للفرنسيين مَن هو الرئيس القادم، والأهم من يستطيع قيادة المركب الفرنسي بصدق وشفافية في الداخل، ويعيد ألق الهوية الفرنسية أمام الآخرين، ومكانتها وهيبتها، أوروبياً ودولياً... على الرغم من قناعتهم بانقراض المفاجآت، مع تكرار المرشحين ذواتهم لانتخابات عام 2017. ولن يكون دخول الوافد الجديد الوحيد، إريك زمور، قادراً على قلب المشهد الانتخابي ونتائجه، وقد تنحصر المنافسة الوحيدة بين إيمانويل ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام") ومارين لوبان ("أقصى اليمين المتطرف")، نظراً إلى ضآلة الفوارق بينهما، بحسب استطلاعات الرأي. 
لم يعد الصراع الانتخابي يتمحور بين الوطنيين والتقدميين والشعبويين، ولم يعد الفرنسيون يصدقون الشعارات الانتخابية، وقد تصيبهم الحيرة والحماقة ويكررون انتخاب ماكرون أو من يشبهه. فالرئيس ماكرون منشغل بما يحدث خارج فرنسا أكثر من داخلها، ويحلم بالزعامة الأوروبية بغياب ميركل، بالتوازي مع فوز فرنسا برئاسة الاتحاد الأوروبي، وقيامه برفع علم الاتحاد الأوروبي تحت قوس النصر، وبتكرار ذلك عشية قمة فرساي الأخيرة من أجل البحث في الشأن الأوكراني، لكن المستشار الألماني شولتز اتجه نحو تعزيز القدرات العسكرية الألمانية، وأقصى فرنسا عن المركز العسكري الأول في الاتحاد الأوروبي..  
مهما يكن من أمر الانتخابات الفرنسية، ومهما تكن الهوية السياسية للرئيس القادم، فلن تكون فرنسا على موعدٍ مع التغييرالذي يحلم به الفرنسيون على مستوى الإصلاحات الداخلية والهموم المعيشية والاجتماعية والسياسية، في ظل ما يجري في الأراضي الأوكرانية، من حربٍ شنتها الولايات المتحدة الأميركية والناتو والاتحاد الأوروبي، وفرضتها على روسيا وأوكرانيا وكل الدول الأوروبية، والتي تبدو واضحة لجهة محاصرة روسيا وتدمير اقتصادها من جهة، ولتدمير أوكرانيا وتقسيمها، وتدمير النظام الأمني الأوروبي وإضعاف الناتو والاتحاد الأوروبي، من جهة أخرى. يبدو أن من المهم للفرنسيين أن يختاروا الرئيس الأكثر حكمة، والأقل تهوراً واندفاعاً وراء طموحاته الشخصية، وانصياعاً أمام الإملاءات الأميركية، وأن تكون مصلحة فرنسا وشعبها من مصلحة القارة الأوروبية جمعاء، بما فيها روسيا وأوكرانيا، وأنه من واجب الجميع الدفاع عنها، وليس تدميرها لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية. 
كان الله في عون الفرنسيين في هذه المهمة المستحيلة. فإذا كان انتخابه عام 2017 نوعاً من الحماقة، فقد يكررها الفرنسيون اليوم ثانيةً، مع تكرار نسخة المرشحين ذاتها، ولعدم توافر الخيارات الملائمة في الزمن الحالي.