تحميل المادة

يقول غرامشي: إنَّ التشاؤم هو أحد أكثر الأمور خطراً على الأمم والشعوب، لأنه يثبط الهمم، ويُعَطِّلُ عن القيام بالواجب، ويعمي عن المستقبل. ولذلك كان غرامشي حاسماً في تقديره لـ "التفاؤل"، وكثيرون يحيلون إلى عبارته الشهيرة "تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة". وقد كان الرجل "ضدَّ التشاؤم" قولاً وفعلاً.
لكن الأمر لا يقف هنا، فأن تكون أو تكوني "ضدَّ التشاؤم"، فهذا أمر ضروري، لكنه مشروط بأمور كثيرة لا بد من أخذها بالاعتبار، وخاصة في حالة مجتمعات وشعوب تعاني وطأة حرب طالت كلَّ شيءٍ فيها تقريباً، كما هو حال الشعب السوريّ مع الحرب الدائرة في سورية وعليها منذ آذار/مارس 2011.
يقول مارتن هيدغر أن تفكر هو أن "تمتلك الإمكان" الذي يثيره مُشكل ما؛ وبالنسبة لفواعل الفكر والسياسة في سورية، فإن المهمة اليوم هي التفكير في ما هم فيه، وهو الحرب، من أجل "الإمساك بـ" أو "القبض على" ذلك "الإمكان" في ما يحدث، و"امتلاكه"، ومحاولة "تدبيره". وسوف يحاول هذا النص القول: إنَّ تدبير أمر ما مشروط أيضاً بـ "الانتماء إليه"، وبنزوع مناهض لـ "التشاؤم" الذي تتكاثر غيومه الداكنة أو الكالحة!
الأزمات والحروب ليست مواجهات وقتالاً وقتلاً وتدميراً فحسب، وإنما هي "منبع" لـ "الإمكان" أو "الفرص" أيضاً، وبافتراض أن فواعل الفكر والسياسة والاجتماع يعملون انطلاقاً من "أوليات وطنية" و"بداهات إنسية"، فإن عليهم أن يتدبروا السبل المناسبة لـ "احتواء" ما يمثّل تهديداً، و"اغتنام" ما يمثّل فرصة، فضلاً عن السعي لـ "تحويل" التهديد إلى فرصة، ما أمكنهم ذلك.
لكن يبدو أن السوريين لم يتمكنوا –حتى الآن– في مباشرة هذه المهمة، وذلك لأسباب عديدة، لعلّ في مقدمها أنهم لم يتفقوا بعد على تشخيص ما هم فيه، أو تقصّي أسسه العميقة؛ ولا يبدو أنهم قادرون على ذلك، ليس لأنهم لا يريدون، وإنما لأن ثمة عقبات معرفية، ربما لم يولوها الاهتمام اللازم؛ فقد كانوا –ولا يزالون– يفتقرون عموماً لـ "نظام تفكير" يمكن أن "يتقابلوا" في ظله أو في أفقه، الأمر الذي يجعل تفكيرهم وتدبيرهم –حتى الآن– متردّداً مشتتاً ومتناثراً، وجهداً لا طائل منه تقريباً، على صعيد الظاهرة السورية، وبما هم سوريون مجتمعاً ودولةً.
يزيد في الأمر، أن الفواعل أو الشرائح الاجتماعية أو السياسية، وحتى الجماعات أو الأحزاب أو القطاعات، كلّ منها قد يظن أن "تفكيره" و"تقديره" يصلح للجميع وأنه بذلك "يمثل" الجميع، ويمكن له أن ينوبَ عن غيره؛ ولكن الطامة الكبرى، هي في أن يظن ذلك الفاعل –وهذا ما ينطبق على الجميع تقريباً– أنه هو فقط "على صواب" والآخرون "على خطأ". وهذا من المشكلات التي تنطوي على قدْرٍ كبير من الخطورة.  
حال السوريين هذا، يجعل من الصعب عليهم فهم وتقدير الأولويات والاحتياجات والمتطلبات، والبدائل، إلخ، كل فاعل مختلف عن الآخر، بل إنَّ ثمة حالة من "عدم الانسجام" لدى (أو في قلب) الفاعل نفسه، والحديث هنا هو عن السوريين، بما هم أفراد أو فئات أو شرائح أو انتماءات، وحتى أحزاب وجمعيات ومنتديات ومؤسسات وقطاعات، إلخ.
هذه بيئة مناسبة لـ "الانقسام" وربما "الاحتراب"، أو "التخلي" و"الاغتراب"، وقد كان الأمر كذلك قبل عدة عقود من الحرب، في ظاهرة تاريخيّةٍ عميقة الجذور، إلا أن ديناميات السياسة والسلطة، ونظم القيم الاجتماعية، والظروف الإقليمية والدولية، لم تكن "بيئة تفجير"، ما يعني أن الظاهرة السورية كانت "مفخخة" بانتظار اللحظة أو الفرصة السانحة لـ "الانفجار" أو "التفجير".
وهكذا، ليس كل ما يصدر عن السياسات الحكومية مثلاً هو نتيجة "نظام تفكير" واضح أو منسجم مع ذاته، وكذلك الأمر بالنسبة لما يصدر عن فواعل المجتمع والرأي العام. وقد ترى فواعل السياسات الحكومية أن ثمة ضعفاً في استجابة الناس حيالها، وخاصة الإجراءات المتخذة في ظروف الحرب والخنق الاقتصادي والتراجع الحاد في الموارد والافتقار للبدائل، إلخ.
إن ما يستوجب التفكير لدى السوريين هو الحاجة لـ "تملك" ذلك "الإمكان" القابع أو الكامن في كل الحرب، و"التماس المعنى" في الواقع وفي المشكلات القائمة، وتقصِّي طيف الاحتمالات، وتعيين الاتجاهات أو المسارات المرجحة، وذلك ليس لمجرد رغبة في الفهم والاستجابة فحسب، وإنما من باب "الواجب" أيضاً.
وإذا كان المطلوب حل مشكلة ما، فإن من الواجب "الانتماء إليها"، وعيها بالكلية: مصادرها وأصولها ومحدّداتها، وإمكانات احتوائها والسيطرة عليها وتكييفها، وإمكانات تطورها، وربما احتمال انفلاتها وخروجها على السيطرة، أو ارتفاع تكلفة الاستجابة الفعالة لها.
وإذا كانت المشكلة هي الاستجابة لـ احتياجات الناس، فلا بد أن يعد الفاعل السياسي (الحكومي وغير الحكومي) ذلك مهمة بالغة الحساسية لدرجة يتوقف عليها مستقبله السياسي والمهني، وبالطبع مستقبل البلد ككل؛ وإن لم يكن فقد يبقى أهل السياسة والفكر والثقافة والاجتماع، إلخ، "يجترُّون"، و"يعيدون إنتاج" الواقع الذي يعدّونه مشكلة! إنتاج الناس أنفسهم، وإنتاج المشكلات أنفسها.
لا يقتصر الأمر على "الفاعل" السياسيّ أو الحكوميّ، ذلك أنَّ "الفاعل" الاجتماعيّ أو المجتمع هو "الفاعل الأصليّ"، إن أمكن التعبير، وشعوره بالتهديد أو الفرصة هو ما يفترض أن يمثل قوة دافعة لـ "السياسيّ" من أجل أن يقوم بـ "واجبه".
وهكذا، فإنَّ على الأفراد والشرائح والجماعات والفئات، أن "تنتمي للواقع"، ولنفسها، في أفق مجتمع سوري ودولة سورية، وذلك في أفق التعدد والاختلاف من جهة، وأفق الوحدة والانسجام من جهة أخرى.
ومن الواجب أن يَعُدَّ فاعلو المجتمعِ أو الأفراد أنفسهم، "أفراداً" و"ذواتاً"، في فضاء أو في أفق مجتمع ودولة ووطن، كما سبقت الإشارة، حتى لو لم تكن شروط ذلك قائمة أو ممكنة على الدوام، وخاصة في الظروف الطارئة أو ظروف الحرب؛ بمعنى أن يعد "الفرد" نفسه فرداً في أفق مجتمع، وليس عضواً في ملّة أو جماعة أو دين أو طائفة أو عائلة أو منطقة، إلخ، ولا أن يتصرف بفردية أو أنوية على حساب الجميع.  ففي حالة الحربِ، يفترض أن يمثّل الألم والخوف على المجتمع والدولة قوة دفع أساسية، ...هذا ما يجب تنميته وتقويته وتعزيزه.
الانتماء للواقع أو للحدث هو "شرط للفعل"، قد تعي واقعاً ما أو مشكلة ما، لكن هذا الوعي لا يعني بالضرورة أنّك سوف تُقدِم على فعل شيءٍ حياله. ثمة من يكتفي بـ "الوعي"! الوعي شرط لازم، لكنه غير كافٍ، الوعي المقصود ليس أن تعرف ولا أن تمتلك فكرة عن الواقع، هذا يمكن أن يتحقق لدى الأعداء والخصوم، هم أيضاً يراقبون ويهمّهم أن يعرفوا ويعوا ما لديك، بل إنَّ الوعي بالواقع أحياناً يجعل المشهد بالغ التعقيد، وقد يجعل تصور الحلِّ أقرب للاستحالة! ومن ثم فإن المهم هو الوعي المنتمي والفعل المنتمي.
المطلوب هو "وعي ملموس" بالواقع، حسب ماكس فيبر، ووعي باتجاهاته المحتملة أو المرجحة، أو بالإمكان الذي يتضمنه أو يصدر عنه أو يتجه إليه؛ وعي يتجه للفعل، كما تتكرر الإشارة، بقوة واقتدار وإيمان وإرادة؛ وعي ملتزم؛ ألا يبدو التعبير نضاليّاً أو كفاحيّاً، واستعادة من قاموس بات مهجوراً منذ زمن؟ قد يكون كذلك حقاً، إلا أنه صحيح!
لكن من الذي سوف يفعل بناءً على ذلك، أو على مَنْ تقع هذه المهمة الثقيلة؟ وباعتبار الافتقار لـ "نظام تفكير" عام، وإذا قام كل فاعل بـ "تدبير" ذلك "الإمكان" وحدَه، ووفق ما يراه مناسباً، وهو ما لا يراه الآخرون كذلك، فإنَّ ما سوف يحدث هو "إعادة إنتاج" عوامل الانقسام والتفجير والحرب، أو "إعادة إنتاج" حالة الإخفاق والعجز عن فعل شيء.
تقع المهمةُ على الجميع، جميع فاعلي المجتمع، لكنَّ المطلوبَ من كلِّ فاعلٍ أن يتزحزح من أو عن موقعه، وأن يتبادل المواقع –ذهنياً وتقديريّاً، مع الفاعلين الآخرين وأن يكونَ جزءاً من كُلٍّ، فاعلاً من فاعلين، ومن ديناميات تفاعل، وطرفاً في معادلة توازن، وليس في معادلةٍ صفريّة أو فسطاطيّة.
التفكير في أفق "مجتمع سوريٍّ" هو أمر لازم، ويكاد يكون بداهةً بالنسبة لـ "المجتمعات الحية"، وإنَّ ما يجري في العالم اليوم من "إحيائيات" اجتماعية وثقافية ووطنية هو أمر يعاكس إلى حدٍّ ما المدارك النمطية الشائعة عن العولمة والفردية والذاتية والهجرة العالميّة، كما يعاكس الأفكار عن "نهاية" الأمة والوطن وحتى الدولة. وهذا باب فيه كلام كثير.
قد تكون الاستجابة الأفضل من قبل السوريين هي أن يعيدوا النظر في ما هم فيه، وأن يستمعوا –بتعبير مستعار من إريك فروم– إلى "ندائهم الخاص الذي يهيب بهم أن يعودوا إلى ذواتهم"، بما هم سوريون. وهي مهمة لا شك في أنّها غير يسيرة، إلا أنها واجبة.
هذا يذكّرنا بموقف لـ أنطونيو غرامشي، قليلاً ما تتدبّره فواعل الفكر والسياسة والاجتماع، ولا يتعلق الأمر بـ "التفاؤل"، وإنما بـ "ضدّ التشاؤم"؛ ومن ثم فإن المطلوب –وهنا نقتطف مطوّلاً من نصٍّ لـ غرامشي نفسه– هو:
"أن نُقيِّم أنفسنا"، أن ننظر في "القليل الذي أنجزناه"، و"العمل الضخم الذي ما يزال علينا أن ننجزه"، وهذا "لا بدَّ أن يسهم في تبديد غيوم التشاؤم الكثيفة الداكنة التي تطل بوطأتها على أقدر المناضلين وأكثرهم مسؤولية، الأمر الذي يشكِّلُ في حدِّ ذاته خطراً عظيماً. وربما كان في الواقع أعظم خطر نواجهه في الوقت الراهن، إذا وضعنا في الحسبان أن نتائجه تتجلّى في السلبيّة السياسيّة، والركود الفكري، والشك في المستقبل".

مداد -مركز دمشق للابحاثث والدراسات