زياد غصن 


 
الشارع الشعبي يترقب، منذ زيارة الرئيس بشار الأسد إلى الإمارات، الدولة الخليجية الثانية التي ستكون على جدول زيارات المسؤولين السوريين.

إلى ما قبل السنوات الثلاث السابقة، لم يكن مرحّباً شعبياً في الداخل السوري بأيِّ انفتاح سياسي على دول عربية وإقليمية اتهمت رسمياً، ولسنوات طويلة، بالعمل على عسكرة الأزمة السورية، وتحويلها إلى حرب أتت على الأخضر واليابس في البلاد، وتسبّبت بخسارة آلاف السوريين أرواحهم، والملايين ممتلكاتهم ومنازلهم.

لكن مع تبخر الآمال بإمكانية خروج البلاد من أزمتها من دون حدوث تسوية إقليمية ودولية، ولا سيما مع تراجع الوضع الاقتصادي الداخلي بشكل كبير بدءاً من منتصف العام 2019، وما قاد إليه ذلك من انتشار معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي بين السوريين في مختلف المناطق، فإن المزاج الشعبي السوري بات أكثر ليونة في تقبل أي تطور "إيجابي" يطرأ على علاقات سوريا الخارجية، سواء مع محطيها العربي أو الإقليمي أو حتى الدولي. 

هذا الأمر يمكن تلمّسه أيضاً في التغيير الذي طرأ على بعض جوانب الخطاب السياسي الرسمي، الذي بات في نظر كثير من المراقبين يميل أولاً إلى مقاربة العلاقات مع بعض الدول بناء على قاعدة جوهرية قوامها: ليس هناك محرم سوى العلاقة مع الكيان الصهيوني من جهة، ومخالفة مصلحة البلاد من جهة ثانية. 

وبناء عليه، إن الحديث عن إمكانية حدوث تطبيع سوري سعودي لم يعد يثير استهجاناً شعبياً كما كان في السابق، وتسريب صحيفة تركية معلومات عن توجه مرتقب لحكومة أنقرة للدخول في حوار مع دمشق، كان له وقع إيجابي على تفاعل شريحة سورية في شبكات التواصل الاجتماعي. 

كما أن الشارع الشعبي يترقب، منذ زيارة الرئيس بشار الأسد إلى الإمارات، الدولة الخليجية الثانية التي ستكون على جدول زيارات المسؤولين السوريين، لكن في السياسة، الآمال والأمنيات الشعبية شيء، والفرص المتاحة للتفاهم بين الحكومات والدول شيء آخر تماماً.

الظروف مؤاتية مع الرياض
لا تحظى فرص إعادة تطبيع سوريا علاقاتها السياسية والاقتصادية مع المحيط العربي والإقليمي بالزخم ذاته، فما قد يكون متاحاً مع الرياض أو الكويت أو القاهرة ليس كذلك مع الدوحة أو أنقرة، وتالياً علينا ألا نتوقع حدوث اختراقات مفاجئة في العلاقة السورية مع بعض الدول، بالنظر إلى حجم الملفات التي تحتاج إلى نقاش عميق واتفاق صريح بين الجانبين.

على هذا الأساس، ربما تكون العلاقة مع الرياض مرشحة إلى التطور أكثر من غيرها خلال الفترة القادمة، رغم تأكيد دمشق مؤخراً عدم وجود اتصالات مباشرة حالياً بين البلدين، في حين توحي جميع المؤشرات بأن الرياض ودمشق أصبحتا متقاربتين سياسياً أكثر من السابق. 

ومن هذه المؤشرات:

- اقتصار الدعم السعودي للمعارضة السورية، ومنذ سنوات قليلة، على الجانب السياسي، بعد أن كانت الرياض متهمة سابقاً بتمويل مجموعات وفصائل مسلحة تقاتل الجيش السوري وتسليحها، وهي اتهامات أكدتها تصريحات إعلامية متكررة لرئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم، وكانت كذلك سياسة واضحة لطالما دعا إليها وزير الخارجية السعودي الأسبق سعود الفيصل.

- حدوث عدة لقاءات سورية سعودية على مستويات أمنية رفيعة، بدأت بزيارة رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك إلى الرياض في العام 2015، وانتهت بما جرى تداوله منذ عدة أشهر عن زيارة قام بها رئيس الاستخبارات السعودية إلى دمشق. وتالياً، طرح الجانبان هواجسهما السياسية والأمنية، وشرعا في نقاشها خلال فترات زمنية مختلفة.

- حصول عدة اجتماعات سعودية إيرانية لحل خلافات البلدين ووضع قواسم مشتركة لتنظيم علاقاتهما. مثل هذه الاجتماعات يعزز فرص التقارب مع دمشق، على اعتبار أن الهاجس السعودي الوحيد يتمثل بطبيعة علاقات دمشق مع طهران وماهيتها، في حين تعتبر دمشق أن الرياض أسهمت في تدمير سوريا.

- وجود مصلحة مباشرة للطرفين بفتح صفحة جديدة في علاقاتهما السياسية، فالرياض لها مصلحة في توسيع الجبهة المعادية لتنظيم الإخوان المسلمين المحتضن تركياً وقطرياً، وعدم ترك الساحة السورية للجانب الإيراني، فضلاً عن التنسيق مع دمشق حيال ملفات إقليمية مهمة للبلدين، كالوضع في لبنان واليمن والعراق، في حين تسعى دمشق عبر البوابة السعودية إلى إنعاش اقتصادها المتدهور وكسر جدار العزلة السياسية الذي فرض عليها عربياً وغربياً مع بدايات أزمتها، لكن ماذا عن موقف الإدارة الأميركية؟ وهل ستسمح للرياض بتطبيع علاقاتها مع دمشق؟

تذهب معظم التحليلات السياسية إلى أن الرياض لم تعد تكترث بالموقف الأميركي عندما يتعلق الأمر بمصالحها المباشرة، وخصوصاً بعد الانسحاب الأميركي المذل من أفغانستان من ناحية، وحرص الإدارة الأميركية الحالية على التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران من ناحية ثانية. 

لهذا، اتجهت الرياض إلى اعتماد مقاربات جديدة لعلاقاتها الإقليمية والدولية. هذا ما أظهرته التصريحات الأخيرة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورفض المملكة طلباً أميركياً بزيادة إنتاجها من النفط، لمنع ارتفاع أسعاره عالمياً بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

المهمة أصعب مع أنقرة
على النقيض تماماً، تبدو العلاقات مع الجار التركي معقدة، وتحتاج إلى خطوات متتابعة وفترة زمنية ليست قصيرة لترميم الثقة المفقودة بين الجانبين، وإلى وساطات إقليمية لحلحلة الكثير من نقاط الاشتباك السياسي، والتي تتمحور غالباً حول هاجسين أساسيين هما:

- الدور التركي في الأزمة السورية، والذي تطور من محاولة أنقرة فرض أجندات سياسية على دمشق مع بدايات الأزمة، كإشراك تنظيم "الإخوان المسلمين" في الحياة السياسية السورية، إلى تسهيل دخول المسلحين و"الجهاديين" إلى الأراضي السورية وتمويلهم بغية إسقاط "النظام"، وأخيراً قيام القوات التركية باحتلال مناطق سورية عدة، بحجة مكافحة الإرهاب، وما نشأ عن ذلك من عملية تتريك واسعة لتلك المناطق ونهب ثرواتها وتدمير مواردها.

لهذا، ترفض دمشق الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع أنقرة، ما لم تعلن الأخيرة سحب قواتها من الأراضي السورية، ووقف تمويل المجموعات والفصائل المسلحة في الشمال السوري، وتحديداً في إدلب. ويبدو هنا أنَّ أنقرة غير مستعدة لذلك اليوم، في ظلّ الانشغال الدولي بالأزمة في أوكرانيا والصراع الروسي الأميركي.

- الهاجس الكردي، وهو بالنسبة إلى أنقرة بمنزلة تهديد مباشر لأمنها القومي، ولا سيما مع سيطرة الميليشيات الكردية على مساحات واسعة من الأراضي السورية، وتشكيلها بدعم أميركي إدارة ذاتية، وسط مخاوف من دعوات انفصالية لبعض الجهات الكردية. 

تالياً، إن أي مفاوضات للجانب التركي مع دمشق، سيكون في سلم أولوياتها تبديد مخاوف هذا الملف، الذي يشكل في النهاية نقطة التقاء للمصالح السياسية السورية والتركية، وإن اختلفت نظرة كل منهما داخلياً إلى سبل معالجته وطريقة التعاطي معه.

قد تكون مصلحة دمشق من أي تقارب سياسي محتمل مع أنقرة واضحة، وفق ما سبقت الإشارة إليه، إلا أن النظرة التركية إلى ذلك لا تزال غامضة، فهل ستكون جزءاً من السياسة التركية الباحثة عن دور إقليمي مختلف عن السابق، بدليل انفتاحها على الإمارات ومصر، واستضافتها مفاوضات روسية أوكرانية، أو أن الغاية هي سياسية اقتصادية مشتركة، هدفها إعادة تنشيط طرق الترانزيت باتجاه دول الخليج والعكس، وتثبيت موطئ قدم، بشكل مبكر، للشركات التركية في عملية إعادة الإعمار السورية المنتظرة، أو أن ذلك ليس إلا جزءاً من التفاهمات التي قد تحدث مع موسكو في مرحلة معينة؟

علاقات أخرى
بين ترقّب حدث ما على صعيد العلاقات مع الرياض، وانتظار استدارة تركية متوقعة بحكم التجربة، فإن فرصة دمشق في تطبيع علاقاتها مع العديد من الدول العربية، ولا سيما تلك التي لم يكن لها دور ما في مسيرة الأزمة السورية، سيكون متوقعاً خلال الفترة القليلة القادمة، سواء كان ذلك قبل القمة العربية المرتقبة في الجزائر أو بعدها. وبحسب مصادر سورية، فإنّ معظم الدول العربية تبحث عن أي مبرر لاستعادة علاقاتها مع سوريا بعد التطورات والمتغيرات الأخيرة التي شهدتها المنطقة.

المصدر: الميادين نت