بقلم: أ. د. بثينة شعبان

في عالم اليوم الذي تتلاطم أمواجه السياسية والإعلامية وتدوي فيه الأصوات الساعية إلى تثبيت وجهة نظرها في عقول وقلوب الآخرين بغض النظر عن حقيقة ما يجري على أرض الواقع، لابدّ لنا نحن الذين كلفنا أنفسنا تفسير ما يجري، أن نتوخى الحذر والدقة وأن نعمل على استذكار ما له علاقة بحدث اليوم وربط الدوافع والأهداف بسياق يقترب قدر الإمكان من جوهر المسألة المطروحة، ففي الأسبوع المنصرم شغل خبر ما جرى لما يُسمى «الائتلاف السوري المعارض» وقت المتابعين للملف السوري حين أقال رئيسه خالد المسلط سبعة عشر عضواً يشكلون الكتلة الصلبة للائتلاف وألغى أربعة تكتلات داخل الائتلاف. وتطرقت التحليلات والتقارير إلى «قرار المسلط» كأنه صاحب قرار، وإلى الدوافع التي أدت إلى هذا التطور وما رافقه من أخذ ورد وتشكيل كتل لا تقلّ هشاشة وعبثية وتواطؤاً عن الائتلاف نفسه من غادر ومن بقي.

والسبب الحقيقي لما جرى لا علاقة له بالمسلط ولا بالائتلاف الذي صنعته المخابرات الغربية من أتباعها وبالتعاون مع أردوغان ولا بكل من باعوا وطنهم وتواطؤوا مع الاحتلال التركي لتدنيس تربة بلادهم الطاهرة، بل له كل العلاقة بما يبتغي أردوغان أن ينسجه من علاقات جديدة مع السعودية والإمارات ومصر، وبما أن هذا هو هدفه المرحلي فإنه لا يتورع عن التضحية بكتلة عصابة الإخوان المسلمين العميلة داخل الائتلاف، الذي تسيّره المخابرات التركية كيف تشاء، كبادرة حسن نية تجاه السعودية التي يحاول أردوغان أن يخطب ودّها لإنقاذ اقتصاده المترنح وجذب الاستثمارات السعودية إلى بلاده، والمتابع لمسار أردوغان وتقلباته السياسية على مدى العقدين الأخيرين يستنتج من دون أدنى عناء أن الرجل مراوغ ومنافق ومتقلّب وفق ما تقتضيه حاجته للاستمرار في سدة الحكم؛ إذ بعد أن أسمع العالم عبارات الحرص على حقوق الإنسان ونيته متابعة قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي قضت محكمة تركية منذ أقل من أسبوعين بوقف محاكمة السعوديين المشتبه فيهم في قضية مقتل الصحفي السعودي المذكور وإحالتها إلى السعودية، ووافق وزير العدل التركي على القرار الذي كانت تسعى إليه الرياض من البداية!

وقد وصفت المسؤولة التركية في منظمة العفو الدولية مليلينا بويوم، ذلك القرار بأنه «مروع وسياسي بشكل واضح»، كما نددت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنييس كالامار بشدّة بقرار الحكومة التركية وقالت: «سترسل تركيا عن علم وبشكل طوعي (الملف) إلى أيدي من يتحملون مسؤولية قتل خاشقجي».

بغض النظر عمّن يتحمل مسؤولية القتل هذه فإن قرار أردوغان بإرسال الملف إلى السعودية يهدف من ورائه إلى استرضاء السعودية كي تباشر بفتح العلاقات وخاصة الاقتصادية والاستثمارية معه التي هو بأمسّ الحاجة إليها، خاصة أن إغلاق قضية خاشقجي كان أحد أبرز مطالب الرياض للانفتاح على أنقرة، وقد نرى قريباً تبادل الزيارات بين الرياض وأنقرة بعد إغلاق هذا الملف.

وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى عام 2013 حين أطاح الشعب المصري بالرئيس الإخواني محمد مرسي رفض أردوغان الاعتراف بشرعية السيسي ووصفه في لقاء تلفزيوني بـ«الطاغية غير الشرعي» وبعدها تقدمت تركيا في آب 2013 بطلب رسمي إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات على السيسي بوصفه «مجرم حرب»، ووصف أردوغان ما فعله الرئيس المصري ووزير الدفاع آنذاك بـ«الانقلاب»، ولكن في عام 2021 وبعد إرسال إشارات ودية من خلال تصريحات وزير الخارجية التركي وآخرين إلى مصر، قررت تركيا إجبار المحطات الإخوانية المصرية التي تبث من أراضيها على إيقاف أي هجوم على النظام المصري ورئيسه.

هذه التغيرات والتقلبات في سياسة أردوغان تجاه السعودية ومصر ومحاولاته تسوية الأوضاع معهما تعود في جزء منها على الأقل إلى وصول جو بايدن إلى الرئاسة الأميركية الذي يحمل عدداً من النقاط السلبية ضد أردوغان، وازدياد وتيرة الضغوط الأوروبية، إضافة إلى الاقتصاد التركي المتدهور، مما حدا بأردوغان للتضحية بعصابة الإخوان المسلمين العميلة في مصر وفي داخل الائتلاف العميل المسمى بالمعارض، وفي أي مكان يتطلب ذلك من أجل بقائه السياسي والسعي لاستمالة حلفاء جدد والتهدئة مع القاهرة والرياض، وفي السياق ذاته يندرج تدخله في الشأن التونسي الذي تناولناه الأسبوع الماضي ودوافع هذا التدخل.

لا يقلّ موقف أردوغان من القضية الفلسطينية نفاقاً ومراوغة، إذ إنّ علاقاته مع الكيان الصهيوني وقادته علاقات متينة وكذلك علاقاته الاقتصادية والعسكرية مع هذا الكيان، ولا يفتأ يتشدق بحقوق الفلسطينيين بينما يدين العملية الاستشهادية البطولية في القدس الأسبوع الماضي، واليوم وفي ظلّ العدوان الصهيونيّ السافر على المسجد الأقصى، واستبسال الفلسطينيين للدفاع عن مقدّساتهم وأرضهم، أين هو أردوغان، وماذا فعل لنُصرة أُولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولنصرة الشعب الفلسطيني البطل؟ والأمر ذاته ينطبق على علاقته بالولايات المتحدة التي تكلفه الملفات الإقليمية المطلوبة منه وتراقب أداءه وترفع أو تخفض نسبة التعاون معه والرضا عليه وفق هذا الأداء. ولن أستغرب أبداً إذا ما بدأ أردوغان التعاون ليس مع الإدارة الأميركية فحسب بل مع القوى الانفصالية في الشمال الشرقي من سورية والتي تتخذ من الملف الكردي غطاء لها في الوقت الذي تنفذ فيه أجندة انفصالية لتقسيم سورية خدمة للأعداء والطامعين بأرض سورية وثرواتها.

وقد يوافق أردوغان مع الولايات المتحدة على التعامل مع ميليشيات «قسد» العميلة للولايات المتحدة ودعمها تماماً كما فعل في شمال العراق بدعم إقليم كردستان وتوجهاته الانفصالية عن العراق، بحيث يبقى أردوغان أداة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لتنفيذ مخططاتهما ضد الدول العربية وضد هوية هذه المنطقة، التي هي عربية أولاً وأخيراً.

ولكل هذا لا يمكن أن يفهم القارئ أهداف أردوغان الحقيقية إلا إذا تابع سياقه، والأفضل أن يربط هذا السياق بالدور العثماني في المنطقة والنفاق الذي عبّر عنه هذا الدور والذي كان كارثياً بالنسبة للعرب والفلسطينيين بشكل خاص. ومع هذا المنحى يندرج موقفه اليوم من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا والذي وصفه بـ«الحياد النسبي» وما هو من الحياد في شيء بل هو حلقة أخرى من حلقات النفاق الذي مرد العثمانيون عليه سابقاً وحاضراً وربما مستقبلاً.