لقد مر أكثر من 50 يوماً على اندلاع الأزمة الأوكرانية، حيث دُمرت المدن وشُرّد الشعب وتكبّد الجانبان خسائر فادحة، على هذه الخلفية، تأمل الصين وغيرها من الدول المحبة للسلام، في استعادة السلام في أوكرانيا في يوم مبكر.

من المعروف أن ملف أوكرانيا له أسباب تاريخية معقدة، وتطورات الوضع ترجع من جهة إلى انفجار المشاكل الأمنية المتراكمة في أوروبا، ومن جهة أخرى إلى عقلية الحرب الباردة والمواجهة بين مختلف المعسكرات، لكن، لا يمكن الإنكار أن الهيمنة الأميركية تقف وراء هذه الأزمة، إذ أخلف حلف الناتو، وفي مقدمته الولايات المتحدة، الوعد مراراً وتكراراً، وقام بتوسيع الحلف شرقاً 5 مرات ونشر المدافع عند حدود روسيا، فإن التوسع المستمر للحلف هو السبب الجذري للأزمة الأوكرانية، والإصرار الأميركي على الحفاظ على الهيمنة الأحادية هو السبب الحقيقي للاضطرابات في العالم.

بوجه الحرب، يجب على كل الدول المحبة للسلام بذل الجهود السلمية وتحويل السيوف إلى المحاريث، لكن، منذ انفجار الأزمة الأوكرانية، لم تتخذ الولايات المتحدة أي خطوة لتهدئة الوضع، بل أعادت عقلية الحرب الباردة، عملت جاهدة على تلفيق الروايات السياسية مثل «الديمقراطية في مواجهة السلطوية» و«العدل في مواجهة الشر»، متجاهلة تماماً للسلام والاستقرار في المنطقة وحتى العالم، واستمرت في صب الزيت على النار، إذ إنها فرضت عقوبات متزايدة على روسيا من جهة، ومن جهة أخرى، زودت أوكرانيا بالأسلحة والذخائر بشكل مستمر، مما يزيد حدة المواجهة بين مختلف المعسكرات، في الحقيقة، هناك شبح الولايات المتحدة وراءه تقريباً جميع النزاعات في العالم. تشير الأرقام إلى أن الولايات المتحدة، منذ تأسيسها في عام 1776، منخرطة دائماً في حروب مختلفة، باستثناء أقل من 20 عاماً، ومنذ عام 2001، شنت الولايات المتحدة حروباً وعمليات عسكرية في أكثر من 80 دولة بذريعة «مكافحة الإرهاب»، ما أدى إلى مقتل أكثر من 800 ألف شخص، ووفقاً لآخر الإحصاء لوزارة الخزانة الأميركية، حتى السنة المالية 2021، بلغ عدد العقوبات الأميركية سارية المفعول 9400 بند، ما يشكل 10 أضعاف لما كان عليه قبل 20 عاماً، لكن هذه العقوبات لم تحل المشاكل، بل أحدثت المزيد من الاضطرابات، وجلبت معاناة لا تحصى على الشعب السوري وشعوب المنطقة، وشكلت تهديداً خطيراً للسلام والاستقرار في العالم.

قبل أيام، اتهمت النائب في البرلمان الأوروبي كلاير دالي الاتحاد الأوروبي بلهجة لاذعة، ووصفت العقوبات التي فرضها الاتحاد على روسيا بالاشمئزاز، وقالت: إن التاريخ علّمنا أن العقوبات لن تنهي الصراع العسكري، بل تزيد معاناة الشعب، كلما زودت الدول الأوروبية أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة، ستطول الحرب، وسيموت المزيد من أبناء شعب أوكرانيا، إن جواب الحرب لا يكمن في المزيد من الحرب، والبندقية لن تجلب السلام، بل يجب إنهاء الحرب عن الطريق الدبلوماسي والحوار، ويجب على أوروبا دفع هذا الحوار بأسرع وقت ممكن.

من جانبها، ظلت الصين تقف إلى جانب السلام والحوار والعدل عند التعامل مع كل القضايا الساخنة، وملف أوكرانيا ليس الاستثناء، فبعد يوم واحد لاندلاع الصراع، قال الرئيس شي جين بينغ خلال المكالمة الهاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه يأمل في حل الملف عبر التفاوض بين الجانبين الروسي والأوكراني في أسرع وقت ممكن، كما طرح «أربع ضرورات» لحل الأزمة الأوكرانية خلال القمة الافتراضية مع فرنسا وألمانيا، أي ضرورة احترام سيادة كل الدول وسلامة أراضيها، وضرورة الالتزام بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وضرورة مراعاة الشواغل الأمنية المشروعة لكل الدول، وضرورة الاهتمام بجميع الجهود الرامية إلى حل الأزمة سلمياً.

في هذا السياق، طرح مستشار الدولة وزير الخارجية وانغ يي الموقف الصيني بالنقاط الخمس للأزمة الأوكرانية والمبادرة بالنقاط الست لتفادي الأزمة الإنسانية واسعة النطاق في أوكرانيا، كما أجرى التشاور المكثف والمعمق بشأن الأزمة الأوكرانية مع نظرائه من دول مختلفة، كما قدمت الصين ثلاث دفعات من المساعدات الإنسانية العاجلة لأوكرانيا، ومن أجل حل هذه الأزمة وتهدئة الوضع، أطلقت الصين صوتها وحكمتها.

هناك تباين واضح بين الصين، التي تسعى إلى تهدئة الوضع وإحلال السلام، وبين الولايات المتحدة التي تصب الزيت على النار لكسب المنافع.

يعد السلام والتنمية والتعاون والكسب المشترك تيار العصر في عالم اليوم، وأثبتت الحقائق أن عقلية الحرب الباردة والمواجهة بين مختلف المعسكرات طريق مسدود، كما لا يمكن اللجوء إلى الاستقطاب وتمزيق العالم، وتحرص الصين على العمل سوياً مع سورية وغيرها من الدول الصديقة، وتستمر في تكريس مفهوم الأمن المشترك والمتكامل والتعاوني والمستدام، والقيم المشتركة للبشرية المتمثلة في السلام والتنمية والعدل والعدالة والديمقراطية والحرية، والقيام بدور بناء لتهدئة الوضع في أوكرانيا، وبذل جهودها قدر الإمكان لتجاوز الأزمة الإنسانية في أوكرانيا، بما يسهم في صون مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والتعددية وسلام العالم وتعزيز التنمية المشتركة وتحقيق المزيد من التقدم للبشرية.

الوطن السورية