ميشيل كلاغاصي
 
نخبٌ سياسية، ويساريون، وشيوعيون، ورأسماليون، ورؤساء سابقون، ورؤساء وزراء سابقون، وفرنسيون مسلمون، وشعبويون، وكل من أنصت إلى نصيحة اليساري ميلينشون بحمل السلاح ضد لوبان، يصطفّون لتشكيل جبهةٍ جمهورية، ويريدون منع لوبان من الوصول إلى الإليزيه. من جهة ثانية، سيصطفّ الفقراء والشباب وأبناء الضواحي والطبقات العاملة، والقوميون اليمينيون المتطرفون، ومتظاهرو السترات الصفراء، والملثمون والمقنعون بسترات سوداء، ومن خذلتهم مصالح ميلينشون، ومن تصيَّدتهم لوبان خلال المناظرة، وراء اقتلاع ماكرون من الإليزيه. 
مع إعلان نتائج الجولة الأولى للانتخابات الفرنسية، وانتقال الرئيس إيمانويل ماكرون ومنافسته زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى الجولة الثانية والنهائية لانتخاب رئيس فرنسي جديد، سارع جميع المرشحين الفائزين والخاسرين نحو المنابر لإطلاق مواقفهم في ضوء النتائج التي عكست هزيمة النخب والشخصيات السياسية والحزبية أمام الفرنسيين، الذين لم يستطيعوا إنتاج مرشح واحد يجمعون عليه، وتشتّتت أصواتهم ما بين المرشحين، وحَصَد غالبيتها فائزان انتقلا إلى الجولة النهائية، فيما انتقل بضعة آلاف من الجماهير نحو شوارع باريس للتظاهر تحت شعار "لا ماكرون ولا لوبان".
سجلت العاصمة باريس السبت الماضي يوماً احتجاجياً عبر عدة تظاهرات، نظمتها حوالى 30 نقابة ومنظمة من منظمات المجتمع المدني، اعتصم خلالها الآلاف، وقطعوا بعض الشوارع. وما بين محتجي السترات الصفراء والسترات السوداء (أنتيفا)، اضطرَّت الشرطة إلى استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريقهم واعتقال بعضهم. لقد عبروا عن صدمتهم ووضعهم أمام خيارين سيئين، وشعروا بالضيق والحزن، وكأن نهاية العالم باتت قريبة. 
تباين جمهور التظاهرات بين المتظاهرين ضد اليمين المتطرف وبعض اليسار، ومن تجمعوا حول تمثال "انتصار الجمهورية" البرونزي الكبير والرمز الفرنسي للحرية والديمقراطية، ومتظاهري السترات الصفراء ضد ماكرون، والشبان والرجال والنساء من أبناء الضواحي، الذين حملوا لافتات كتبوا عليها "لا لوبان أو ماكرون"، وغالبيتهم من مؤيدي المرشح جان لوك ميلينشون، الَّذي دعا إلى عدم منح لوبان صوتاً واحداً، ولم يمنح ماكرون أصوات مؤيديه صراحةً. 
وبين من شاركوا ولم يشاركوا في الجولة الأولى، ومن ينوون مقاطعة الجولة الثانية، ومن سيصوتون بالورقة البيضاء، بات مؤكداً أن الانتخابات الرئاسة الفرنسية لن تغير شيئاً في فرنسا، وأن الضياع والنزيف الفرنسي مستمر، سواء فاز ماكرون أو لوبان. 
تبدو فرنسا على موعد مع المجهول القريب، على الرغم من أهمية المناظرة الحاسمة، كمحاولة أخيرة لفصل الخيارات وتمايزها لمصلحة أحدهما في الجولة النهائية في 24 نيسان/أبريل، وسيكون من المستحيل توقع النتيجة سلفاً، مع احتفاظ ميلينشون بـ21.9% من الأصوات، وجلها من الفئة العمرية 18-34 عاماً، وسير الفئات من 35 – 64 عاماً وراء لوبان، وهيمنة ماكرون على الفئة العمرية ما فوق 64 عاماً، الّذين يقنعهم بمعاشات تقاعدية مريحة وإجراءات صارمة بشأن فيروس "كوفيد 19"، ومن يرونه زعيماً للأغنياء، على عكس كبار السن منهم، الَّذين لطالما كانوا من أبناء الطبقة العاملة الذين لن يصوتوا له، ليخلق ذلك هالةً مختلطة تحيط بماكرون، نصفها اجتماعي بحت، ونصفها الآخر من متقاعدي يمين الوسط، فيما يتحلّق حول لوبان القوميون واليمينيون المتطرفون، والذين ما زالوا يعملون ويتقاضون رواتب متواضعة، ويواجهون صعوبة الظروف والحياة الحالية في فرنسا. 
لم تعد فرنسا كسابق عهدها، ولم يعد الانقسام فيها على أساس اليمين واليسار، بل أعتقد أنه أقرب إلى من يملكون وسائل الحياة الرغيدة ومن لا يملكونها، وسط ذوبان الاشتراكيين واليمينيين التقليديين في احتجاجات السترات الصفراء وراء مطالب اجتماعية، وهتاف الآلاف: "هيا استقل يا ماكرون". 
وفي المناظرة الساخنة، ومع انطلاقتها، بدا ماكرون متوتراً ومهزوزاً وخائفاً. وحين خانته طلاقته وفصاحته، حاول تعويض إحباطه بعبارات استفزازية وشخصية قاسية، فقال للوبان: "أنتِ لست صادقة. برنامجكِ ليس له رأس ولا ذنب. أنتِ تمزحين"، في حين بدت لوبان واثقة وهادئة وذكية، وعرفت كيف تأكل كتف ماكرون، وتصدَّت لهجومه الأول باتهامها بعلاقاتها مع روسيا، وعرَّت سياساته ووصفته بالمنافق، وانتقدت سعيه لفرنسا الإقليمية، وليس العالمية، والذهاب نحو أفريقيا، وانتقدت لهاثه وراء الاتحاد الأوروبي وتجاوزه السيادة الفرنسية ورفعه علم الاتحاد تحت قوس النصر، ونفت اتهاماته بنياتها الخروج من الاتحاد الأوروبي، "الذي يتدخل في ما لا يعنيه في الشؤون الفرنسية"، وسألته: "لماذا لا تدافع فرنسا عن مصالحها مثل ألمانيا؟"، فأجابها: "أنتِ قومية فرنسية لتقزيم فرنسا وعزلها". 
وانتقدت لوبان الكثير من سياساته فيما يتعلق بالزراعة والبيئة، وسخرت من سياسة الطاقة البديلة واعتماد المراوح الهوائية وحاجتها إلى الوقود لتشغيلها وأثرها السلبي في البيئة والحيوانات، وانتقدت إغلاق 14 مفاعلاً نووياً منتجاً للطاقة، وتحدثت عن الخسائر في عهده، كالعجز القياسي بـ500 مليار يورو، والتحسن الضئيل لنسب البطالة، وخسارة 14000 وظيفة، وانتقدت نظامه التقاعدي غير الواضح، واقترحت سن التقاعد من 60 – 62 سنة.
كما انتقدت السياسة المتبعة في قطاع التعليم، ووعود ماكرون الكثيرة للطلاب والمدرسين في العام 2017، والتي لم ينفذ منها شيء، وعدم تقديم الحماية والأمن للمعلمين، وتردي الوضع الأمني، وتفشي الجريمة والسرقة، وتحدثت عن ضرورة استعادة هيبة رجال الشرطة الَّذين تم التشكيك فيهم في عهده، "كي تعيش فرنسا في ظلهم بأمان"، وعن ضبط الحدود ومنع الهجرة غير الشرعية وحصرها بطلبات اللجوء، ووعدت بطرد المجرمين من اللاجئين غير الشرعيين، في حين أكَّد ماكرون أنَّ اللجوء السياسي يحميه القانون، واللجوء الاقتصادي مفيدٌ لفرنسا.
وقد صوّبت على أخطائه في فترة الإغلاق الأول بسبب جائحة كورونا، وحرمان الممرضين والأطباء من رواتبهم، وأكّدت أنها ستسعى لدفع أجورهم، وستخصص 10 مليارات يورو للأجور، و10 مليارات أخرى للمعدات الطبية ولإعادة تأهيل المشافي، فيما حاول ماكرون التركيز الوصول المبكر للجائحة في العام 2018 في ولايته السابقة، وأن فرنسا لم تتعرَّض سابقاً لفيروس كورونا.
كرَّرت لوبان مواقفها المعلنة عن الحجاب والتطرف الإسلامي والخطر الإرهابي، وادَّعت أنها "لا تقاتل الدين الإسلامي، بل الأيديولوجيا التي تعتدي وتفرض الشريعة"، وأكدت رفضها الحجاب "في الأماكن العامة"، ورأت أنَّه "لباسٌ فرضه المتطرفون"، ولخصت مواقفها المتشددة بحديثها عن "فرنسا الفخورة، وليست الخجولة".
لم يفوّت ماكرون الفرصة لتعود إليه الفصاحة والطلاقة. وقد قال إنَّ لوبان "تريد للشرطة أن تلاحق المحجبات وواضعي القبعة اليهودية في الشوارع وتمنع كل الرموز الدينية"، وشدد على أنَّ "فرنسا لن تقصي أحداً، وتحترم مبادئها في الحرية والتسامح"، وأكَّد أن ما تقترحه لوبان "خيانة لروح الجمهورية" ونوع من الحماقات، وأنها "ستخلق حرباً دينية".
وعن أزمة الثقة بين الحكومات والشعب، ركزت لوبان على مبدأ الاستفتاءات الشعبية، واعتمادها ديمقراطيةً جديدة، تضع الحد للانقسامات الفرنسية، ويُؤخذ فيها رأي الشعب بعين الاعتبار، واستشهدت بقول شارل ديغول في العام 1992 بأن "السيادة للشعب، وليست للدستور"، وبأنها ستطرح العديد من المشاكل للاستفتاء الشعبي، كدستورية الهجرة غير الشرعية، وطرد المجرمين الأجانب... في حين دُهش ماكرون بمشروعها الذي يقضي بإلغاء دور النواب الفرنسيين وتهميش الجمعية الوطنية. 
في الختام، توجّه ماكرون إلى السيدة لوبان بالقول: "أنا أحارب أفكارك وحزبك، وأحترمك شخصياً"، فيما كررت لوبان ملخصاً سريعاً لمشروعها، وأكَّدت قولها مجدداً: "إعلاء منطق الوطنية على منطق العالمية، والدفاع عن روح فرنسا وقيمنا ولغتنا... هذا ما أحمله للفرنسيين". 
وتشير استطلاعات 18 نيسان/أبريل و21 نيسان/أبريل - ما بعد المناظرة المباشرة - إلى أن احتمال فوز الرئيس ماكرون صعب، لكن هذا لن يغير حقيقة أنَّ الرئيس القادم سيرث دولةً ممزقة تائهة ما بين خداع ماكرون بوسطيته وصراحة لوبان بتطرفها اليميني، على الرغم من محاولاتهما لتخفيف حدة خطاباتهما ومواقفهما المعروفة سابقاً، وتقديمهما الوعود التي كانت وستبقى انتخابية فقط.