هذا الواقع يمنع إردوغان من التفكير في ترحيل اللاجئين ما دام أنه لا يفكر في حلّ الأزمة السورية، الذي يتطلّب منه حواراً مع الرئيس الأسد.

يتعرّض الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ومن معه، لانتقادات عنيفة من جانب جميع أحزاب المعارضة التركية والمعارضين الأتراك، الذين يناشدونه من أجل إعادة اللاجئين السوريين بعد أن تحوّلوا إلى "قضية تشكل خطراً على الأمن القومي للبلاد"، وفق هذه المعارضة.

وجاءت هذه الانتقادات، وهي ليست جديدة، بعد سلسلة من التوترات التي شهدها بعض المناطق التركية بين شبّان أتراك وسوريين، والتي تزامنت مع تصريحات رئيس بلدية هاتاي (ولاية أنطاكيا)، الذي عبّر عن قلقه من كثافة الوجود السوري في الولاية، الأمر الذي عدّه البعض خطراً على مستقبل الولاية بعد أن يصبح عدد السوريين أكثر من الأتراك، في إشارة منهم إلى الاستفتاء الذي تم بموجبه ضم لواء إسكندرون إلى تركيا عام 1938. 

ولم يكن ذلك هو السبب الوحيد في ردّ فعل المعارضة على سياسات إردوغان بشأن موضوع اللاجئين، الذين أثار عددهم قلق الشارع التركي، وخصوصاً بعد لجوء نحو 300 ألف أفغاني، وأغلبيتهم الساحقة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 عاماً. لقد أزعج سلوك بعض اللاجئين السوريين والأفغان المواطنين الأتراك الذين يحمّلون إردوغان مسؤولية ذلك، يُضاف إليهم آخرون من العراق وإيران وباكستان، وحتى من بعض الدول الأفريقية، التي لا يحتاج رعاياها إلى تأشيرة دخول لتركيا.

ويتحدث المسؤولون الأتراك عن نحو 5 ملايين لاجئ، بينما تقدّر أوساط المعارضة عددهم بأكثر من 7 ملايين، بينهم نحو 3.7 ملايين سوري، وفق إحصاءات وزارة الداخلية. وقال الرئيس إردوغان، في أكثر من مناسبة، إن "تركيا صرفت عليهم حتى الآن أكثر من أربعين مليار دولار". وتشكك أوساط المعارضة في هذه المبالغ، وتقول ان إردوغان يسعى، من خلال ادعائها، للحصول على مساعدات أوروبية، وهو ما يفسّر قول وزير الدفاع خلوصي آكار إن "تركيا تلبي الاحتياجات الإنسانية لنحو 9 ملايين سوري داخل تركيا وفي الشمال السوري"، حيث تسيطر القوات التركية، ومعها مسلحو "الجيش الوطني" المعارض.

وكان إبراهيم كالين، المتحدث باسم الرئيس إردوغان، تحدّث عن سبعة ملايين تلبي تركيا احتياجاتهم، وهو ما يثير عدداً من التساؤلات بشأن ما يصرّح به المسؤولون الأتراك عن رعايتهم للسوريين، ليس فقط في تركيا، بل داخل سوريا، التي يتحدث إردوغان بين الحين والحين عن وحدة ترابها وسيادتها". 

المعارضة التركية لم تنفِ انزعاجها من مبررات موقف إردوغان تجاه اللاجئين، الذين تقدم إليهم الدولة التركية كلَّ أنواع المساعدة والتسهيلات المجانية، في محاولة منها لكسب ودهم وتضامنهم مع سياسات إردوغان في سوريا وفي الداخل التركي، بحيث حصل عشرات الآلاف منهم على الجنسية التركية، وأدلوا بأصواتهم في الانتخابات البلدية والتشريعية لمصلحة حزب العدالة والتنمية، وفق الدراسات المستقلة.

كما يهدف إردوغان، من خلال هذا الاهتمام باللاجئين، إلى كسب مزيد من الشعبية داخل سوريا، حيث يزور هؤلاء اللاجئون أقرباءهم في الأعياد، ويقومون بالدعاية لإردوغان ولتركيا (ملايين الحسابات في شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الإذاعات والتلفزيونات والمواقع الإخبارية)، بحيث يعيشون في راحة نسبياً مقارنة بظروف معيشية سيئة جداً في المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية. 

أحزاب المعارضة التركية، وفي مقدمتها "الشعب الجمهوري"، والتي تتحدث عن خطط لإعادة السوريين إلى ديارهم خلال فترة أقصاها عامان، تناشد الرئيس إردوغان الحوارَ العاجل والمباشر مع دمشق أولاً، من أجل مساعدتها على إعادة الاعمار، وثانياً للاتفاق معها على آليه عملية وفعّالة تساهم في عودة النازحين إلى بيوتهم بعد معالجة كل مشاكلهم الأمنية والمعيشية والاجتماعية. 

أحزاب المعارضة، التي تحمّل إردوغان مسؤولية أزمة اللاجئين منذ بدايتها، تتجاهل في الوقت نفسه استمرار الدور التركي في الأزمة السورية، ورفض الرئيس إردوغان حلها بالاتفاق مع الرئيس الأسد. ويفسّر ذلك استمرار الموقف التركي الرافض لتحرير إدلب، ودعم سائر الفصائل المنضوية تحت راية ما يسمى "الجيش الوطني السوري"، والذي تم تشكيله في أنقرة. وتقدّر أوساط المعارضة عدد مسلحي جبهة "النصرة" في إدلب و"الجيش الوطني" في الشمال السوري بصورة عامة، بنحو مئة ألف، من دون أن يكون واضحاً كيف ستتخلص منهم أنقرة في حال اتفاقها مع الرئيس الأسد، الذي يرى فيهم إرهابيين دمّروا سوريا وقتلوا شعبها طوال الأعوام العشرة الماضية. 

هذا الواقع يمنع الرئيس إردوغان من التفكير في ترحيل اللاجئين، ما دام أنه لا يفكّر في حل الأزمة السورية، الذي يتطلّب منه حواراً مباشراً مع الرئيس الأسد، وهو ما يحتاج إلى أكثر من معجزة. فهو الذي يهدّد ويتوعّد كل من يفكر، من قيادات المعارضة، في زيارة دمشق ولقاء الرئيس الأسد من أجل البحث في موضوع اللاجئين، الذين يعرف الجميع أنهم لن يعودوا إلى سوريا في ظل الظروف الحالية مع استمرار الأوضاع المعيشية الصعبة جداً، ومع استمرار حالات التوتر والمواجهات الساخنة في الشمال السوري، حيث القوات التركية، والمناطق التي تسيطر عليها "قسد"، المدعومة أميركياً، شرقيّ الفرات. 

أزمة اللاجئين، في تبعاتها الاجتماعية والنفسية، أصبحت حديث الشارع التركي اليومي بعد أن بيّنت  الاستطلاعات أن ما لا يقل عن 80% من المواطنين الأتراك يطالبون بترحيلهم فوراً، بينما أظهرت نِسَب أعلى من ذلك من المواطنين رفضها تزويج أولادها وبناتها بالسوريين، في مقابل نِسَب أقل من الذين قالوا إنهم لا يريدون للسوريين أن يسكنوا في جوارهم ، بحجة أن "نمط معيشتهم، بما فيها تعدُّد الزوجات، وكثرة الأولاد، والحديث بصوت عالٍ، وعدم الانتباه لمعايير النظافة، لا تتفق مع معيشة الأتراك".

كما تتّهم نسبة عالية من الأتراك السوريين بـ"الجُبن والهرب من بلادهم من دون القتال في البداية ضد "داعش" والفصائل المسلّحة، ولاحقاً ضدّ الجيش السوري، إن كانوا هم صادقين في أنهم هربوا من ظلم الرئيس الأسد"، وهو ما يسوّقه إردوغان وإعلامه، الذي يكرّر هذه المقولات بين الحين والحين في مواجهة ضغوط المعارضة.

هذه التناقضات يستغلّها البعض لمعاداة العرب بصورة عامة، كما يستغلها البعض لمعاداة الفلسطينيين "بعد أن تخلى عنهم العرب، بل حتى إردوغان"، الذي قال "إن الأقصى موضوع لا علاقة له بتطوير العلاقة بـ"إسرائيل"". 

ويبقى التعليق الأخير من المعارضة على تناقضات إردوغان في السياستين الداخلية والخارجية، إذ ترى أنه صالح "إسرائيل" والإمارات، ويسعى لذلك مع مصر والسعودية، وهو الذي قال عن حكامها ما قال، ثم نسي كل ذلك، من دون أن يسلك الطريق نفسه مع سوريا، التي لم تقم بأيّ عمل عدائي ضد تركيا، التي بات واضحاً أنها لا تريد حلّ الأزمة السورية. وما تمسّك إردوغان باللاجئين، ومعهم عشرات الآلاف من المسلّحين في الشمال السوري، سوى إثبات واضح على ذلك، والرأي هذا لقيادات المعارضة، التي تؤكد ضرورة الحوار المباشر مع الرئيس الأسد فوراً، لكنها لا تجرؤ على القيام بذلك قبل إردوغان، والعلم عند الله!

الميادين