زياد غصن 


لا يبدو أن اقتصاديات الدول العربية ستكون بخير مستقبلاً، كما يُروج لها على المستوى الوطني؛ فما حدث في لبنان وسوريا والعراق خلال السنوات الماضية لم يكن مصادفة، وقد يكون مرشّحاً أيضاً إلى التكرار في دول أخرى بشكل أو بآخر، وهو ما يمكن استنتاجه ببساطة من خلال استعراض سريع للأوضاع الاقتصادية السائدة في معظم الدول العربية، ومدى تأثرها بالأزمات التي تتالت على المنطقة منذ اندلاع ما سمي بأحداث "الربيع العربي".
وإذا لم يكن ممكناً الحكم على اقتصاديات بعض الدول، كسوريا وليبيا واليمن، بمعزل عن تطورات الحرب الدائرة على أراض كلٍّ منها، فإنَّ ما حدث في لبنان والعراق، وما تمر به دول أخرى من أزمات وأوضاع، وما تطبقه من سياسات اقتصادية خاصة، يعزز فرضية "الحريق" الذي يتهدد اقتصاديات دول المنطقة بفعل المتغيرات العميقة التي طرأت عليها في السنوات الأخيرة.
 ومن هذه المتغيرات، يمكن أن نذكر:
- قيام الأنظمة والحكومات العربية بعملية واسعة هدفها إعادة جمع الثروات ورؤوس الأموال، تحقيقاً لعدة أهداف، أبرزها تعزيز قبضة السلطات على رؤوس الأموال والثروات، واستثمارها لتحقيق مصالحها السياسية والمالية، وضمان انحياز أصحاب هذه الثروات إلى جانب السلطة في مواجهة أية احتجاجات شعبية أو حركات ومطالب سياسية، وإعادة تكوين النخبة الاقتصادية القائمة، واستبدال طبقة جديدة بها، تكون أقرب إلى حاشية السلطة من كونها طبقة اقتصادية وظيفتها قيادة العمل الصناعي والتجاري في البلاد. 
إنّ عملية جمع الثروات ورؤوس الأموال التي تجري في دول عربية عدة تحت عناوين وسيناريوهات متعددة، منها ما يتمّ بحجّة استعادة المال المنهوب من الدولة ومنها ما يجري تحت عناوين سياسية، تتسبب بإخراج رؤوس أموال كبيرة من دائرة الاستثمار الإنتاجي، وتوجهها إلى القطاعات الريعية أو إلى خارج البلاد، هذا إلى جانب إضعاف المنافسة وحرية العمل الاقتصادي وسهولة الأعمال.
- تنفيذ سياسات اقتصادية تحقّق مصالح السلطة في هذا البلد أو ذاك، إلا أنَّ هذه السياسات كانت على حساب الشريحة العمالية المنتجة، وهو ما أسهم في خلق فجوة هائلة بين الدخل والإنفاق، وتالياً ارتفاع معدلات الفقر. والدليل على ذلك متوسط نصيب العامل من الدخل القومي، مقابل ما يحصل عليه أصحاب الثروات والأعمال. 
كما أنَّ نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي المرتفعة في بعض الدول هي في واقع الأمر نسب نمو غير محابية للفقراء وأصحاب الدخل المحدود والطبقة المنتجة، إذ لم تتمكن دولة عربية احدة من تحقيق اختراق مهم في مجال مكافحة الفقر، كما فعلت بعض الدول العالمية، بل إنَّ إحصاءاتها المتعلقة بمعدلات انتشار الفقر لا تزال قديمة، وهي تعود إلى سنوات سابقة. مثلاً، لا يزال الفقر يقبض على حياة نحو 46.5% من السودانيين، و27.8% من المصريين، و27.4% من اللبنانيين، و14.4% من الأردنيين، و15.20% من التونسيين، و18.9% من العراقيين، و31% من الموريتانيين. كذلك الأمر بالنسبة إلى معدلات التضخم المتزايدة في العديد من الدول العربية المؤثرة، والناجمة في المقام الأول عن اتباع سياسة التمويل بالعجز لسد عجز موازناتها، إضافةً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد والطلب.
-توجّه الاستثمارات المحلية والأجنبية نحو قطاعات ريعية سريعة الربح من جانب، والتأثر بالأزمات والمشاكل الداخلية والخارجية من جانب آخر، إذ بات قطاع العقارات والبناء مثلاً يتصدر قائمة القطاعات الاقتصادية في نسبة نموه واستقطابه للاستثمارات في العديد من الدول العربية، وكذلك هو حال السياحة والخدمات المالية. 
أما قطاعا الزراعة والصناعة، فهما يأتيان في مراتب متأخرة، رغم أهميتهما في تحقيق استقرار اقتصادي واكتفاء ذاتي. وبحسب بيانات صندوق النقد العربي، فإن الناتج الزراعي لمصر تراجع بشكل واضح خلال العامين 2017 و2018، إذ سجل على التوالي ما قيمته 26.9 مليار دولار و28.1 مليار دولار، وذلك مقارنة مع 39.1 مليار دولار في العام 2016. 
ورغم أنَّ العام 2019 شهد زيادة في قيمة الناتج لتبلغ 33.4 مليار دولار، فإنها زيادة، وإن استمرت في العامين الأخيرين، ستكون مهددة بالتضخم المتزايد. أما السعودية، فقد حافظ ناتجها الإجمالي للقطاع الزراعي على قيمته منذ العام 2015، والتي بلغت نحو 17 مليار دولار. في السودان، بدا الانخفاض شديداً ولافتاً، إذ تراجع الناتج الزراعي من نحو 27.5 مليار دولار في العام 2017، إلى 8.9 مليارات دولار في العام 2018، وإلى 7.6 مليارات دولار في العام 2019.
على العكس من ذلك، إنَّ الناتج المحلي لقطاع التشييد حافظ على قيمته أو شهد زيادة متباينة بين دولة وأخرى؛ ففي مصر، سجل ناتج التشييد في العام 2019 نحو 18.2 مليار دولار بزيادة قدرها 25.7% عن العام 2018. وفي السعودية، سجل نحو 43.6 مليار دولار، أي أن ناتج التشييد يزيد بنسبة 147% عن ناتج الزراعة.
- ارتفاع حجم الديون الخارجية لعدة دول عربية، وما تبعه من تعثر في تسديد الأقساط المترتبة على ذلك، الأمر الَّذي مهد الطريق للبنك الدولي للعودة إلى المنطقة والإمساك باقتصاديات بعض دولها وتوجيهها والتدخل في سياساتها وبرامجها الاقتصادية. 
ربما يظهر ما حدث مع لبنان بجلاء خطورة مثل هذه العلاقة، فيما دخلت مصر منذ العام 2016 ضمن قائمة الدول المقترضة من البنك الدولي، إذ تجري حالياً مفاوضات للحصول على القرض السادس منذ ذلك العام، علماً أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن قيمة الديون المترتبة على مصر وصلت إلى أكثر من 137 مليار دولار في نهاية العام 2021، ما يطرح تساؤلات عن مدى قدرة الاقتصاد المصري على سداد تلك الديون من جهة، وتأثيرات عملية الاقتراض الخارجي في معيشة المصريين من جهة ثانية، ولا سيّما أنّ جزءاً من تلك القروض خُصص لتأمين احتياجات البلاد من المواد الغذائية، والجزء الآخر وُجه لتنفيذ مشروعات لم تظهر نتائجها بعد.
في نظرة عامة إلى إجمالي الدين الخارجي للدول العربية المقترضة، سنجد أنَّ القيمة الإجمالية للدين في حوالى 12 دولة عربية - توفرت عنها بيانات لدى صندوق النقد العربي - بلغت نحو 308.8 مليار دولار في العام 2019، إذ جاءت مصر أولاً بدين خارجي يبلغ 110.3 مليارات دولار، ثم السودان ثانياً بحوالى 51.3 مليار دولار، ولبنان ثالثاً بحوالى 37.6 مليار دولار، فالمغرب 35.8 مليار دولار، والجزائر 35.1 مليار دولار.
- تسهم النسب المرتفعة لإجمالي الدين العام الداخلي للدول العربية في زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاديات العربية، وخصوصاً أنَّ جزءاً كبيراً من هذا الدين توجه أيضاً لتغطية النفقات الجارية، وليس لدعم العملية الإنتاجية في الكثير من الدول العربية. 
وتبين التقديرات الرسمية أنَّ نسبة الرصيد القائم لإجمالي الدين العام الداخلي للدول العربية من إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي وصلت في العام 2019 إلى نحو 73%، وكانت أكبر نسبة للدين في لبنان، من بين 7 دول عربية شملها استبيان لصندوق النقد العربي، إذ بلغت نسبة الدين الداخلي فيه حوالى 100.2%، تلته مصر بنسبة 91%، فالأردن بنسبة 56.8%، ثم المغرب 50.9%.
- غياب المساءلة والشفافية في تقييم أداء السياسات والقطاعات والمؤسسات الاقتصادية، وتالياً فقدان القدرة على استشراف الأزمات والكوارث قبل وقوعها، والعمل على تصحيح الأخطاء، وهي سمة تكاد تجمع جميع الاقتصاديات العربية، إذ نادراً ما يصدر تقييم موضوعي أو تقرير استشرافي على المستوى الوطني يتعامل مع التحديات بعمق ومسؤولية. 
وربما يكون ما حل بالقطاع المصرفي اللبناني خير مثال على ذلك؛ فعلى الرغم من التحذيرات التي أطلقتها مؤسسات ومتخصصون اقتصاديون سابقاً، فإنَّ المؤسسات الدولية والحكومية تجاهلت تراكم الاختلالات والتحذيرات اللاحقة، واستمرت بتنفيذ سياساتها وإجراءاتها. 
وعندما وقعت الكارثة التي كان لها تأثيراتها المحلية والإقليمية والدولية، لم يحاسب أحد على وقوعها، كذلك الأمر بالنسبة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا، بدءاً من نهاية العام 2019، فالتوقعات الحكومية كانت تتحدّث عن دخول البلاد في مرحلة تعافٍ اقتصادي تدريجي إثر تمكّن الجيش السوري من استعادة مناطق واسعة من البلاد، فكان أن حدث العكس تماماً.
يصبح الوضع أكثر تشاؤماً مع تزامن هذه السياسات والإجراءات مع تصاعد وتيرة الأزمات السياسية والنزاعات العسكرية التي يشهدها العالم في أعقاب الأزمة الأوكرانية، إذ تتهدد الاقتصاديات العربية مجموعة مركبة من الأزمات، تبدأ بارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، وتراجع معدلات السياحة الوافدة إلى المنطقة، والمخاطر التي أصبحت تحيط بالاستثمارات والأرصدة العربية الموجودة في الخارج، وخصوصاً مع قيام بعض الدول بمصادرة الأرصدة والاستثمارات الروسية في الخارج وتجميدها بشكل يتنافى والضمانات التي كان الغرب يقدّمها للمستثمرين والمتعاملين المصرفيين الأجانب.

الميادين