حسن إبراهيم عبد الله 


 
كالينينغراد، الجيب الروسي الواقع في أقصى غرب روسيا والمنفصل جغرافياً عنها، يعود إلى الواجهة مجدداً مع عودة الحديث عن احتمالات تطور العملية العسكرية الروسية.

مع احتدام العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وتوسع دائرة الاحتمالات حول مآلاتها على الصعد كافة، يزداد الحديث عن الأوراق التي يملكها الرئيس الروسي في مواجهة حلف الناتو وردعه، ليبرز من جديد اسم مقاطعة كالينينغراد الروسية المنفصلة جغرافياً عن روسيا، والموجودة في قلب مناطق الناتو، والتي تعتبر إحدى أبرز أوراق الضغط التي يملكها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذه المعركة، وخصوصاً بعد إعلان موسكو في الرابع من أيار/مايو الجاري أنّ الجيش الروسي أجرى محاكاة لعملية إطلاق صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية في أراضي الجيب الروسي، فما أهمية هذه المقاطعة؟ وكيف أصبحت جزءاً من الأراضي الروسية؟

من كونيسبرغ الألمانية إلى كالينينغراد الروسية!
يمتد تاريخ كونيسبرغ (كالينينغراد حالياً) إلى ما يزيد على 8 قرون. وفي الفترة الواقعة بين العام 1871 والعام 1918، كانت هذه المنطقة تدعى بروسيا الشرقية، وكانت جزءاً من الإمبراطورية الألمانية. 

بعد الحرب العالمية الأولى، وتحديداً بين العامين 1919 و1945، وقعت المنطقة تحت حكم الألمان ضمن جمهورية فايمار والرايخ الثالث الألمانية، إلا أنّها في الفترة الممتدة بين 1919 و1939، تمّ فصلها عن بقية ألمانيا عن طريق أراضي بولندا المستقلة، حين حصلت في هذا الوقت على منفذ لها على بحر البلطيق. 

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة الألمان، ووفقاً لاتفاقية بوتسدام للعام 1945، تم نقل الجزء الشمالي من شرق بروسيا (نحو ثلث أراضيها) إلى الاتحاد السوفياتي، وتم نقل الثلثين المتبقيين إلى بولندا. وبهذا الشكل، أصبحت منطقة كونيسبرغ السابقة في شرق بروسيا ضمن الأراضي الروسية. 

وقد سُميت كالينينغراد بعد عام واحد من نقلها، تيمناً بميخائيل كالينين؛ الزعيم السوفياتي بين العامين 1919 و1946.

ما الأسلحة الروسية الموجودة في كالينينغراد؟
استعرضت روسيا علناً قيامها بنشر أسلحة استراتيجية ومتطورة في أراضي كالينينغراد. وإلى جانب منظومة الدفاع الجوي الروسي "إس 400"، نصبت موسكو أيضاً منظومة صواريخ "إسكندر-إم" البالستية التي تشكل عنصر الهجوم البري والبحري البعيد المدى.

وكان الكرملين أعلن في كانون الثاني/يناير 2019 أنّ القوات البرية في المقاطعة الروسية ستتلقى صواريخ "إسكندر-إم" القادرة على حمل رأس حربي تقليدي أو نووي حتى مسافة 300 ميل.

وبحسب وزارة الدفاع، فإن لواء الصواريخ في كالينينغراد يمتلك أكثر من 50 مركبة، بما في ذلك قاذفات ومركبات قيادة وصيانة وعربات دعم أخرى. 

وعلاوةً على ما سبق، تستطيع روسيا استخدام القوات الجوية الفضائية المسلحة بالصواريخ المجنحة "X-55" و"X-101"، والقادرة على ضرب أي هدف في بولندا. 

وفي السياق نفسه، لفتت مجلة "National Interest" إلى أن قسماً مهماً من الأسطول البحري الروسي يتمركز في المدينة الروسية، بما في ذلك سفن مجهزة بمنظومات "كاليبر" الصاروخية التي جرت تجربتها في محاربة الإرهاب في سوريا.

وبخصوص وجود سلاح نووي في أراضي الجيب الروسي، وخصوصاً بعد نشر منظمات غير رسمية تقارير ترجّح وجود هذا النوع من الأسلحة، لا تنكر روسيا نشرها أسلحة نووية في كالينينغراد، وفي الوقت نفسه لا تعترف بذلك، إذ تستخدم لغةً غامضةً في هذا المجال، وهو ما عبّر عنه تصريح المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف في العام 2018، حين قال إنّ "نشر سلاح أو آخر في الأراضي الروسية هو قضية سيادية حصرية". 

ومع ذلك، يبقى الأمر من أبرز أوراق الضغط التي يملكها الكرملين في حال اندلاع مواجهة شاملة مع حلف الناتو، إذ أشار القادة الروس، مثل الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، إلى أنّ موسكو يمكن أن تنشر أسلحة نووية في كالينينغراد، رداً على تركيب الناتو أنظمة دفاع صاروخي في بولندا وأوروبا الشرقية. 

موقع استراتيجي مهم لروسيا
سابقاً، كانت مقاطعة كالينينغراد متاخمةً جغرافياً للاتحاد السوفياتي، لكن بعد انفصال جمهوريات البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) عن الاتحاد وانهياره في العام 1991، انفصلت كالينينغراد جغرافياً عن بقية روسيا، ولم يعد بينهما حدود مشتركة. 

أما اليوم، فتقع كالينينغراد في أقصى غرب البلاد، في وسط أوروبا. تحدها من الجنوب بولندا، ومن الشمال والشرق ليتوانيا، ومن الغرب بحر البلطيق، ويفصل بينها وبين بيلاروسيا ممر سوالكي البري الذي يمثل الحدود المشتركة الوحيدة بين بولندا وليتوانيا.

أما مساحتها، فتبلغ 15125 ألف كيلومتر مربع، ويصل عدد سكانها إلى أكثر من 600 ألف نسمة، مُشَكَلِين عرقياً من أكثرية روسية بنسبة 77,9%، يليهم البيلاروسيون بنسبة 8,0%، وأخيراً الأوكرانيون الذين يمثلون نسبة 7,3%.

وتمتلك كالينينغراد الميناء الوحيد الخالي من الجليد في بحر البلطيق على مدار السنة، والذي يحمل اسم المنطقة نفسها. لذا، تعد المدينة الساحلية أمراً حيوياً لكل من روسيا ودول البلطيق، لضمان النقل والتجارة عبر المنطقة، إذ تكون درجات الحرارة عادةً أقل من الصفر خلال معظم فصل الشتاء. 

يزيد من أهمية الموقع الاستراتيجي للمقاطعة الروسية أنّها أقرب إلى عواصم بعض دول أوروبا الغربية منها إلى موسكو من حيث المسافة، فكل من وارسو وبرلين وكييف أقرب إلى كالينينغراد من موسكو، ما يجعلها من المنظور العسكري قاعدة عسكرية متقدمة لروسيا في غرب أوروبا، بل خلف خطوط العدو أيضاً، وهي من ناحية أخرى خط دفاع أمامي لها في حال نشوب أي نزاع شامل في القارة. 

لذا، ومنذ انضمام دول البلطيق إلى حلف الناتو في العام 2004، أصبحت كالينينغراد بمنزلة منطقة روسية معادية في عمق الحلف الغربي، ما جعلها تجمع ما بين نقيضين، فهي من ناحية في حالة ضعف شديد لابتعادها جغرافياً عن روسيا. ومن ناحية أخرى، تعتبر تهديداً عسكرياً مميتاً في قلب حلف الناتو، الأمر الذي دفع مسؤولين بولنديين إلى المطالبة بها، وكان آخرها على لسان القائد السابق للقوات البرية البولندية الجنرال فالديمار سكشيبتشاك، الذي قال: "الأمر يستحق إثارة قضية كالينينغراد، وهي في رأيي أرض بولندية".

ممر سوالكي.. هناك ستكون أم المعارك
بعد أن أغلق الاتحاد الأوروبي مجاله الجوي أمام الرحلات الجوية الروسية، رداً على انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أُجبرت الطائرات الروسية على التحليق لمسافة أطول بين روسيا وكالينينغراد، ما أعاد الحديث عن نية روسيا السيطرة على ممر سوالكي؛ المنفذ البري الوحيد بين بيلاروسيا وكالينينغراد.

يمثل ممر سوالكي المعبر الحدودي الوحيد بين بولندا وليتوانيا، وهو بالنسبة إلى حلف الناتو المنفذ الوحيد باتجاه دول البلطيق عن طريق البر أو السكك الحديدية، ويحمل الأهمية نفسها بالنسبة إلى روسيا، التي يشكل هذا الممر المعبر الأوحد بالنسبة إليها بين بيلاروسا حليفة الكرملين ومقاطعة كالينينغراد، التي تخشى موسكو سقوطها في أيدي الناتو في حال نشوب حرب بينهما.

ويولي المسؤولون والمحللون العسكريون الغربيون ومراكز الأبحاث اهتماماً كبيراً بممر سوالكي، لأنه يُشكّل نقطة ضعف لحلف الناتو في حال تطورت العملية العسكرية الروسية إلى ما هو أبعد من أوكرانيا، لأنّ من المرجح أن تسعى روسيا عبر السيطرة على الممر إلى فتح خط إمداد بري لها مع كالينينغراد، وعزل دول البلطيق عن باقي أوروبا.

في العام 2016، أجرى حلف الناتو مناورات في منطقة ممر سوالكي استمرّت عدة أيام، وشارك فيها أكثر من 30000 جندي، بينهم 4000 جندي أميركي. وجرى التدريب وفقاً لسيناريو صد اختراق روسي محتمل في ممر سوالكي.

كذلك، أجرى الجيشان الروسي والبيلاروسي في أيلول/سبتمبر 2021 تدريبات "زاباد" العسكرية بمشاركة 12000 جندي و950 مركبة. ولاحظ بعض المحللين أنّ القوات الروسية والبيلاروسية تدرّبت على شن هجمات من بيلاروسيا باتجاه كالينينغراد لتطبيق عملية إغلاق الممر.

يبلغ عرض ممر سوالكي بين 60 و100 كلم، بناءً على معلومات عسكرية. ولا تخفي أي من روسيا أو دول الناتو أهمية الممر الذي يتراوح عرضه بين 60 و100 كلم، وأرجحية القوة التي ستسيطر عليه في إدارة الحرب، أو ربما حسمها، في حال نشوبها مستقبلاً بين القوى النووية.

المصدر: الميادين نت