تعرضت روسيا لحملة عقوبات غير مسبوقة فرضتها عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون منذ إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 21 شباط/ فبراير 2022 الاعتراف باستقلال دانيستك ولوغانسك في اقليم دونباس. وتصاعدت وتيرة هذه العقوبات بشكل قوي جداً بعد بدء الحرب الروسية الاوكرانية في 24 شباط/ فبراير 2022.

ومن ابرز هذه العقوبات الشاملة التي تهدف الى عزل روسيا على كافة الاصعدة المالية والاقتصادية والسياسية كانت العقوبة المتمثلة باخراج المصارف الروسية من التعامل في نظام السويفت المالي العالمي، هذا الامر دفع روسيا ومعها حليفتها الاستراتيجية الصين الى تسريع العمل على ايجاد بديل لنظام التحويلات المالية العالمية المعروف بنظام “سويفت”.

وتشير التقارير والمعلومات الى ان البلدين اصبحا بالفعل على مقربة من إعلان تأسيس نظام مالي عالمي جديد يتسم بالتنوع وكسر الهيمنة الاحادية الاميريكية على الاقتصاد العالم، وهو بالتأكيد سيوجه ضربة قوية جداً للولايات المتحدة في حال تم اقراره وبدء العمل به، خصوصاً ان الاجراء الروسي الاخير المتعلق باستبدال الدولار بالروبل الروسي في عمليات بيع الغاز الطبيعي قد حقق نجاح باهراً للعملة الروسية حيث تحسن سعر الروبل من 120 روبل للدولار الواحد الى ما يقارب ال 70 روبل فقط مقابل الدولار، وهو رقم أفضل مما كانت عليه الحال بالنسبة للروبل حتى قبل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، مما ينذر بتغيرات اقتصادية استراتيجية قادمة على صعيد الاقتصاد العالمي برمته.

الصين تعيد تقييم نفوذ الغرب المالي بعد الحرب الاوكرانية

تنظر الصين الى حجم العقوبات الغربية على روسيا بعين القلق من سيطرة الغرب على الاقتصاد العالمي بصورته الحالية، وهذا الامر زاد من مخاوف الصين الاستراتيجية من قدرة اميركا ومن معها في النجاح بمحاصرة الصين نفسها اقتصادياً في المستقبل القريب، وخاصة ان الاقتصاد الصيني أصبح من افضل اقتصادات العالم الامر الذي يشكل خطراً مباشراً على نفوذ الولايات المتحدة الاميريكية على كافة الصعد وليس الاقتصادية والمالية منها فقط.

إن نجاح الغرب في عزل الاقتصاد المالي الروسي عن العالم بفعل اخراجه من نظام السويفت المالي سيؤثر بالضرورة على التعاملات المالية الصينية النشطة في كافة دول العالم وعلى صعيد التجارة العالمية، لذلك اصبح من مصلحة الصين تفعيل نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود في الصين والمعروف باسم ( The Cross-Border Interbank Payment System – CIPS) والذي يتعامل باليوان الصيني لكي يحل مكان نظام سويفت في المستقبل القريب، على ان تدخل روسيا عملياً في هذا النظام من خلال توسيع دائرته ليشمل التعامل بالروبل الروسي بين البنوك عبر الحدود في روسيا ايضاً، ما سيساهم في حصول تضامن شامل بين البلدين اللذين يسيطران على نسبة كبيرة من التعامل في التجارة الدولية على مختلف الصعد التجارية، وليس فقط في مجال الغاز والطاقة.

علماً ان المصرف المركزي الصيني اطلق العمل في هذا النظام المالي في عام 2015 والذي تم ربطه بنظام السويفت الا انه وبحسب جميع الخبراء يمكن له ان يعمل بصورة منفصلة اذا كانت هنالك نية للصين لتحقيق ذلك.

خلاصة وتحليل

تجدر الاشارة الى ان الدولار الاميريكي الى اليوم هو العملة المهيمنة المستخدمة في التجارة العالمية بنسبة تصل الى 88% من حجم التعاملات التجارية العالمية، ولكن بالطبع اذا استخدمت الصين نظامها المالي الخاص بالتعاون مع روسيا بعد اشراكها فيه سيؤدي حتماً الى انشاء نظام مالي بديل يعتمد على اليوان الصيني بالدرجة الاولى ومن ثم الروبل الروسي بالدرجة الثانية، مما سيجعل من اليوان الصيني العملة الاحتياطية الاكثر هيمنة في العالم نظراً لحجم التبادل التجاري بين معظم دول العالم والصين.

وهذا الامر على الرغم من صعوبة تنفيذه بشكل سريع الا انه حتماً سيسبب ضرراً كبيراً للولايات المتحدة الاميركية التي سيطرت على العالم ككل بفعل قوة الدولار الذي تم ربطه بكل التبادلات التجارية بعد اتفاقية برايتون وودز الشهيرة في اربعينيات القرن الماضي.

إقرأ أيضاً :  صور فضائية تكشف اقتراب اندلاع المعركة الكبرى في شرق أوكرانيا
بكل الاحوال علينا التسليم ان العالم مقبل على تغيرات ضخمة واستراتيجية بدأت منذ انطلاقة العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا ومستمرة بشكل دراماتيكي حسب المسار الواضح للتغيرات الاقتصادية والمالية على مستوى العالم ككل.
العهد-د.محمود جباعي