السويد وفنلندا التزمتا الحياد خلال الحرب الباردة، لكنهما قد تقرران الانضمام لحلف الناتو بعد الحصول على “تطمينات” أمريكية بتوفير الحماية لهما ضد أي تحرك من جانب روسيا، فهل تقعان في “الفخ” كما حدث مع أوكرانيا؟

السويد وفنلندا من الدول الاسكندنافية التي تقع في شمال أوروبا، وكلتاهما لم تكن يوماً عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتزمتا الحياد خلال عقود الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، وهي الحالة التي يبدو أنها على وشك أن تتغير، في إطار الوضع الجيوسياسي المعقد الذي نتج عن الهجوم الروسي على أوكرانيا.

فالأزمة الأوكرانية من الأساس أزمة جيوسياسية، طرفاها روسيا من جهة والغرب من جهة أخرى، وترجع جذورها إلى انهيار الاتحاد السوفييتي قبل أكثر من 3 عقود، ووقتها قدمت واشنطن وعداً إلى موسكو مفاده أن حلف الناتو لن يتوسع في شرق أوروبا بوصة واحدة، لكن الحلف العسكري الغربي توسع شرقاً بنحو ألف كيلومتر وضم دولاً كثيرة كانت سابقاً ضمن حلف وارسو العسكري بزعامة الاتحاد السوفييتي.

السويد.. لماذا تمثل حالة خاصة؟

ظلت السويد وجارتها فنلندا خارج حلف الأطلسي أثناء فترة الحرب الباردة، التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990. لكن تفجر الأزمة الأوكرانية وضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 والهجوم الحالي، المستمر في شهره الثالث، دفع الدولتين لإعادة التفكير في سياساتهما الأمنية، مع تزايد احتمال حصولهما على عضوية الناتو.

وتعيش السويد، بصفة خاصة، حالة من القلق المتصاعد منذ ما قبل اندلاع الحرب، إذ عاد مصطلح “الروس قادمون” ليتصدر النقاشات السياسية في البلاد.

ويعود مصطلح “الروس قادمون!” إلى وقت كانت فيه السويد إمبراطورية وقوة عظمى في أوروبا وسعت إلى غزو الأراضي الروسية وضمها إليها، لكن القيصر الروسي بطرس الأول انتصر على ملك السويد في معركة “بولتافا” عام 1709، فكانت تلك المعركة بداية النهاية لمملكة السويد التي كانت تشمل منطقة البلطيق. وتقع منطقة “بولتافا” حالياً في أوكرانيا.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت عبارة “الروس قادمون!” محفورة في أذهان السويديين، إذ عندما عاد ملكهم كارل الأول مع القليل المتبقي من رجاله كانوا يصيحون بالعبارة تحذيراً لأهالي البلاد.

 
ومنذ بداية الأزمة الأوكرانية، عاد المصطلح “الروس قادمون!” ليصبح عنواناً رئيسياً في الإعلام السويدي، ليس حالياً فقط، ولكن منذ ضمت روسيا إقليم شبه جزيرة القرم الأوكراني.

وفي أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، نشرت السويد قوات عسكرية في جزيرة غوتلاند المطلة على بحر البلطيق، وأفاد تقرير لوكالة بلومبيرغ الأمريكية بأن الدولة الاسكندنافية أرسلت تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المطلة على بحر البلطيق والقريبة من روسيا. وظهرت عربات عسكرية ومدرعات وقوات في شوارع مدينة فيسبي في الجزيرة، وهو مشهد غير معتاد في المدينة الساحلية، فيما وصفت ستوكهولم الخطوة بأنها رد على “النشاط الروسي” المتزايد في المنطقة.

لماذا تخشى السويد من تقديم طلب التحاق رسمي للناتو؟

ومع بداية الهجوم الروسي على أوكرانيا يوم 24 فبراير/شباط الماضي، وهو الهجوم الذي تصفه موسكو بأنه عملية خاصة هدفها منع عسكرة كييف بينما يصفه الغرب بأنه غزو، اتجهت الأنظار نحو السويد وفنلندا انتظاراً لقرارهما الخاص بمسألة الانضمام رسميا إلى حلف الناتو.

ومن المتوقع أن تتخذ كل من السويد وفنلندا قراراً بشأن ما إذا كانت ستقدم طلباً رسمياً للانضمام إلى حلف الأطلسي خلال شهر مايو/أيار الجاري، بحسب تقرير لوكالة رويترز.

لكن في نفس السياق، تشعر السويد وفنلندا بالقلق من أنهما ستكونان عرضة للخطر خلال عملية فحص طلبات العضوية، إذ إن تلك العملية قد تستغرق عاماً أو أكثر إلى أن يوافق عليها جميع أعضاء الحلف.

وتخشى السويد أن تتعرض لهجوم روسي خلال تلك الفترة، على غرار ما حدث مع أوكرانيا، وساعتها لن تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً بشكل مباشر للدفاع عن السويد حتى لا تندلع مواجهة مباشرة بين واشنطن وموسكو، وهو نفس السيناريو الذي واجهته كييف ولا تزال تواجهه حالياً.

كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حليف الغرب والمدعوم بشكل خاص من إدارة الرئيس جو بايدن، قد شن هجوماً لاذعاً على الغرب في اليوم الثاني للهجوم الروسي واتهم الدول الغربية باتخاذ موقف المتفرج وترك كييف لتواجه “الغزو الروسي” بمفردها.

كما كان زيلينسكي قد وجّه انتقاداً مبطناً لزعماء غربيين لم يسمهم بأنهم استغلوا أزمة أوكرانيا لتحقيق مكاسب سياسية خاصة بهم، وكان ذلك أيضاً قبل أن تندلع الحرب، ولزيلينسكي تصريح شهير قال فيه: “أوكرانيا ليست تايتانيك!”، كتعليق على قرار واشنطن ولندن سحب الدبلوماسيين من كييف، وهو القرار الأمريكي الذي زعمت إدارة بايدن أنها ناقشته مع حكومة زيلينسكي.

 وحتى تكون الصورة واضحة فيما يتعلق بالقلق السويدي، والفنلندي بطبيعة الحال، من التعرض لهجوم روسي قبل أن يبتّ الناتو في أمر العضوية بشكل نهائي، من المهم توضيح المبررات الروسية في الهجوم على أوكرانيا، حيث يصور بوتين الحرب على أنها صراع مع الغرب ككل، بحسب تقريرٍ عنوانه “شرح حجج بوتين للهجوم على أوكرانيا” لصحيفة New York Times الأمريكية.

“إنها حقيقةٌ أننا على مدار الأعوام الثلاثين الماضية كنَّا نحاول بصبرٍ التوصُّل إلى اتفاقٍ مع دول الناتو الكبرى فيما يتعلق بمبادئ الأمن المتكافئ وغير القابل للتجزئة في أوروبا. رداً على مقترحاتنا، واجهنا دائماً إما الخداع والأكاذيب الساخرة وإما محاولات الضغط والابتزاز، بينما استمرَّ تحالف شمال الأطلسي في التوسُّع، على الرغم من احتجاجاتنا ومخاوفنا”.

وفي هذا السياق، تخشى السويد وفنلندا التعرُّض لما ستعتبره روسيا ضربة استباقية هدفها حماية الأمن القومي الروسي، وبطبيعة الحال لن يتدخل حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة في تلك الحالة؛ لأن السويد وفنلندا ليستا عضوتين في الحلف، وهو نفس وضع أوكرانيا.

هل قدمت أمريكا “ضمانات” للسويد؟

هذه الصورة هي السبب الرئيسي وراء زيارة وزيرة خارجية السويد آن ليند إلى واشنطن ولقائها مع نظيرها أنتوني بلينكن، وخلال تلك الزيارة قالت الوزيرة السويدية، الأربعاء 4 مايو/أيار، إن بلادها تلقت “ضمانات” من الولايات المتحدة بأنها ستحصل على دعم أثناء فترة تقديمها طلباً للانضمام لحلف شمال الأطلسي وفحص الدول الأعضاء الثلاثين بالحلف للطلب.

وقالت ليند للتلفزيون السويدي من واشنطن بعد اجتماعها مع بلينكن: “بالطبع لن أخوض في أي تفاصيل، لكني أشعر بأني متأكدة جداً من أن لدينا الآن ضماناً أمريكياً”.

لكن الوزيرة السويدية استدركت قائلة: “مع ذلك، إنها ليست ضمانات أمنية ملموسة، هذه لا يمكنك الحصول عليها إلا إذا كنت عضواً كامل العضوية في حلف شمال الأطلسي”. وأحجمت ليند عن كشف الضمانات التي حصلت عليها من بلينكن.

 ونقلت الإذاعة العامة السويدية (إس.في.تي) الخميس 5 مايو/أيار عن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج قوله إن الحلف سيزيد وجوده حول حدود السويد وفي بحر البلطيق أثناء تقديم السويد طلباً للانضمام للحلف وبحث الطلب.

وقال ستولتنبرج للإذاعة السويدية: “أنا مقتنع بأننا سنجد حلولاً للضمانات الأمنية التي تحتاجها السويد في الفترة الانتقالية”. وأضاف: “من اللحظة التي تقدم فيها السويد طلباً ويقول حلف الأطلسي إنه يريد انضمامها سيكون هناك التزام قوي للغاية من جانب الحلف بالقدرة على حماية أمن السويد”. وتابع أن ذلك يشمل زيادة الوجود حول السويد وفي بحر البلطيق.

ومن جهته، قال البيت الأبيض إن الولايات المتحدة واثقة من قدرتها على معالجة أي مخاوف أمنية قد تكون لدى السويد وفنلندا بشأن الفترة الزمنية بين طلب عضوية حلف شمال الأطلسي والانضمام الرسمي إلى الحلف.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي في إفادة صحفية: “نحن واثقون من أنه يمكننا إيجاد طرق لمعالجة أي مخاوف قد تكون لدى أي من البلدين بشأن الفترة الزمنية بين طلب عضوية حلف الأطلسي والانضمام الرسمي إلى الحلف”.

وكان وزير الدفاع السويدي قد قال الشهر الماضي إن التقدم بطلب للانضمام إلى الحلف يمكن أن يثير ردود فعل من روسيا، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية وتدابير أخرى مثل الحملات الدعائية لتقويض أمن السويد.

كانت موسكو قد حذرت السويد وفنلندا من “عواقب وخيمة”، وهددت بنشر أسلحة نووية وصواريخ فرط صوتية في جيب كاليننجراد في أوروبا إذا انضمت الدولتان للحلف.

الخلاصة هنا هي أنه في حال اتخذت السويد وفنلندا قراراً بتقديم طلب رسمي للانضمام لحلف الناتو، لا أحد يمكنه توقع رد الفعل الروسي، ويظل السؤال متعلقاً بالكيفية التي قد تتدخل بها واشنطن، فهل تتبع الاستراتيجية التي تتبعها في أوكرانيا، أي تقديم الدعم العسكري دون الدخول في حرب مباشرة مع موسكو؟ أو كما يصفها البعض حرب مع روسيا حتى آخر “جندي أوكراني”، أو “سويدي” في هذه الحالة؟

الاخبار