حسن نافعة 
 
من الواضح أن الولايات المتحدة وحلفاءها يراهنون على إبقاء الأزمة مشتعلة لأطول فترة ممكنة.

توجد أطروحات ونظريات ورؤى واجتهادات عديدة لشرح وتحليل الأسباب التي حدت بروسيا إلى شنّ الحرب على أوكرانيا، وطبيعة الأهداف التي تسعى لتحقيقها من وراء شن هذه الحرب، وكذلك شرح وتحليل الأسباب التي حدت بالولايات المتحدة وحلفائها إلى الوقوف إلى جانب أوكرانيا بطريقة تجعلها أقرب ما تكون إلى المشاركة المباشرة في هذه الحرب، وليس دعم دولة صديقة أو حليفة فقط. ورغم ما تنطوي عليه هذه الأطروحات المتباينة من تداخل وتشعب، فيسهل دمجها في أطروحتين رئيسيتين تقفان على طرفي نقيض:

الأطروحة الأولى: ترى فيما يدور حالياً من صراع في الساحة الأوكرانية "حرب اختيار" اتخذت روسيا قرارها بمفردها، وبمحض إرادتها، من دون أن تكون مضطرة إلى ذلك، ولأسباب تتعلق بطموحات الرئيس بوتين وحرصه على إعادة فرض هيمنة روسيا المنفردة على كل المناطق التي كانت فيما مضى جزءاً لا يتجزأ من الاتحاد السوفياتي الذي انهار في بداية تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم تتعامل الأطروحة معها، باعتبارها حرباً "عدوانية" تشكّل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي، وأنَّها لن تقتصر على أوكرانيا وحدها، وخصوصاً إذا لم تقابل برد حاسم ورادع من جانب القوى الرافضة للطموحات الإمبراطورية الروسية، وبالتالي قد تكون مجرد بداية لسلسلة من الحروب التي يراد لها ألا تنتهي قبل أن تتمكّن روسيا من استعادة مجدها الإمبراطوري السابق، سواء في صيغته القيصرية القديمة أو في صيغته السوفياتية الأحدث. 

في المقابل، ترى هذه الأطروحة نفسها أن رد الفعل الأميركي على حرب روسيا على أوكرانيا، يعد عملاً دفاعياً بحتاً يستهدف حماية حلف الناتو، وتأمين سلامة الدول الأعضاء فيه، وخصوصاً الدول الأوروبية التي قد تصبح مهددة بالغزو والاحتلال الروسي في مرحلة تالية.

ولا شكّ في أن هذه الأطروحة تعبر، بدرجة أو بأخرى، عن الرواية الرسمية للولايات المتحدة الأميركية، لكنَّها تلقى في الوقت نفسه تأييداً واسعاً من جانب كل المؤمنين بعلو كعب الديمقراطيات الغربية وبسمو الأفكار الليبرالية، وخصوصاً من جانب منظرين من أمثال فوكوياما وغيره، وكذلك من جانب كل المؤمنين بالأفكار التي ألهمت "الثورات الملونة" التي اندلعت في أوروبا الشرقية وغيرها من المناطق، وهي الأفكار التي يروج لها منظرون من أمثال برنار هنري ليفي وغيره!

الأطروحة الثانية: ترى في الصراع الدائر حالياً في الساحة الأوكرانية "حرب ضرورة"، أملتها نزعة أميركية عدائية تجاه روسيا، وفرضتها سياسة توسعية لحلف الناتو، لا تستهدف احتواء روسيا ومحاصرتها ومنعها من المشاركة في إدارة النظام الدولي فحسب، إنما إحاطتها في الوقت نفسه بسياج من دول معادية تهدد أمنها القومي، وربما تسعى لتفكيكها من الداخل أيضاً. بعبارة أخرى، هي، من هذا المنظور، حرب "دفاعية" تستهدف حماية أمن روسيا القومي، وربما وجودها نفسه. 

في المقابل، ترى هذه الأطروحة نفسها أن رد الفعل الأميركي والأوروبي على ما تعتبره روسيا "عملية عسكرية خاصّة"، لا يستهدف تمكين أوكرانيا من الدفاع عن نفسها وصد الهجوم الواقع عليها فحسب، إنما أيضاً إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، من خلال العمل على استنزافها عسكرياً واقتصادياً، وإثارة ما يكفي من المشكلات الداخلية لإسقاط نظامها في الحكم، تمهيداً لتفكيكها والدفع في اتجاه انهيارها مثلما انهار الاتحاد السوفياتي من قبل. 

ولا شكّ في أنّ هذه الأطروحة تعبر، بدرجة أو بأخرى، عن الرواية الرسمية الروسية، وتلقى تأييداً واسعاً في الوقت نفسه من جانب التيارات المؤمنة بضرورة حماية الخصوصيات الثقافية والقومية للدول والشعوب، وبالأفكار التي يروج لها مفكرون ومنظرون قوميون، من أمثال ألكسندر دوغين (الذي يتردّد أنه أقرب المفكرين والمنظرين الروس إلى عقل الرئيس بوتين وفكره).

رغم ما تنطوي عليه الأطروحتان من جرعة دعائية واضحة، فإنهما تلتقيان معاً حول فكرة رئيسية، مفادها أن الحرب الدائرة حالياً في الساحة الأوكرانية ليست حرباً محدودة الأهداف والأطراف، إنما هي حرب كونية شاملة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وتشكل تحدياً هائلاً للنظام الدولي القائم حالياً. 

وبينما تأمل روسيا أن تنتهي هذه الحرب بإزاحة الولايات المتحدة من موقعها المهيمن على قمة النظام الدولي وتمهيد الطريق أمام إقامة نظام دولي بديل متعدد القطبية، تشارك القوى الصاعدة في إدارته، تأمل الولايات المتحدة أن يؤدي الدعم المقدم لأوكرانيا إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وإلى ضمان استمرار سيطرتها المنفردة على النظام الدولي لفترة طويلة قادمة أيضاً، فإلى أين ستقود الحرب الكونية الدائرة حالياً في الساحة الأوكرانية؟

قد يكون من الصعب في هذه المرحلة المبكرة رصد كل التحولات الجيوسياسية التي يُتوقّع أن تسفر عنها هذه الحرب، لكن من الواضح أنَّ حجم التحولات الجيوسياسية المتوقعة وعمقها سيتوقفان على عدد كبير من العوامل، في مقدمتها:

1-   الوقت الذي ستستغرقه العمليات العسكرية الجارية حالياً قبل التوصل إلى وقف متبادل لإطلاق النار.

2-   التغيرات المحتملة في مواقف بعض القوى الدولية والإقليمية، إذا ما طال أمد الأزمة واستمر القتال لفترة طويلة أخرى، وخصوصاً مواقف دول مثل الصين وإيران بالنسبة إلى روسيا، ومواقف أطراف أخرى، مثل "إسرائيل" وتركيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية.

3-   مدى قدرة التحالف القائم حالياً بين جانبي الأطلنطي، وخصوصاً التحالف الأميركي الأوروبي، على الصمود والاستمرار بدفع التكلفة الباهظة لتصاعد الأزمة واستمرارها.

من الواضح أنَّ الولايات المتحدة وحلفاءها يراهنون على إبقاء الأزمة مشتعلة لأطول فترة ممكنة، ويعتقدون أنَّ المساعدات العسكرية والاقتصادية الضّخمة التي يقدمونها لن تمكّن أوكرانيا من الصمود في وجه الآلة العسكرية الروسية فحسب، ووقف زحفها وانتشارها داخل الأراضي الأوكرانية، ولكنها ستمكّن القوات المسلحة الأوكرانية أيضاً من القيام في مرحلة لاحقة بهجمات مضادة تستهدف استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لروسيا، إلى أن تقتنع هذه الأخيرة، وخصوصاً تحت ضغط العقوبات الاقتصادية الهائلة المفروضة عليها، بأن الاستمرار بالحرب لم يعد في مصلحتها، وبأن كلفة الاستمرار فيها أصبحت أعلى بكثير من فوائدها المحتملة، ومن ثم إجبارها على قبول وقف إطلاق النار، قبل أن تتمكَّن من تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية الرئيسية، غير أنني أعتقد أنَّ فرص نجاح هذه الاستراتيجية الأميركية والغربية محدودة للغاية، وذلك لأسباب كثيرة:

أولها: أن بوتين ما زال مصمماً على تحقيق الحد الأدنى من أهدافه الاستراتيجية، ولو اضطر إلى انتهاج سياسة حافة الهاوية والتهديد الفعلي باستخدام السلاح النووي. لذا، أعتقد أنه سيواصل عملياته العسكرية التي تستهدف احتلال كامل الأراضي الواقعة شرق أوكرانيا وجنوبها، إلى أن تقبل كلّ من الحكومة الأوكرانية وحلف الناتو بشروطه للتسوية، وفي مقدمتها الالتزام بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو الذي ينبغي له أيضاً تقديم ما يكفي من ضمانات أمنية لإزالة مخاوف روسيا من توسعه وامتداده المتواصل نحو الشرق.

ثانيها: يصعب تصور أن تقف الصين مكتوفة الأيدي إذا اقتنعت بأن تطور الأوضاع على الأرض في أوكرانيا بدأ يميل إلى غير مصلحة روسيا. ولأنها تدرك أنها ستكون الهدف التالي للغرب، ومن ثم ستصبح في موقف أضعف بكثير إذا مُنيت روسيا بهزيمة استراتيجية في المواجهة الدائرة حالياً في الساحة الأوكرانية، يتوقع أن تسارع الصين إلى مدّ روسيا بكل ما تحتاجه من موارد، لا لمواصلة الحرب فحسب، إنما أيضاً لمواجهة التأثيرات السلبية للعقوبات الاقتصادية، وخصوصاً إذا أحسّت بأنها على وشك خسارة الجولة العسكرية من الصراع.

ثالثها: يتوقع أن يؤدّي استمرار العمليات العسكرية الدائرة حالياً في الساحة الأوكرانية لفترة طويلة أخرى قادمة، بالتزامن مع استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، إلى خلق حالة من الفوضى غير المسبوقة في النظام الدولي كله، قد تخرج عن نطاق السيطرة، وخصوصاً أن التأثير السلبي للعقوبات الاقتصادية لن يقتصر على روسيا وحدها، إنما سيمتد ليشمل كل دول العالم، وخصوصاً دول العالم الثالث غير النفطية، والتي ستعاني جميعها بشدة من ارتفاع غير محتمل في أسعار الطاقة والمواد الغذائية.

رابعها: ليس من المستبعد إطلاقاً أن يؤدي استمرار الصراع في أوكرانيا لفترة طويلة إلى خلق بؤر توتر جديدة في مناطق أخرى من العالم أو زيادة حدة التوتر القائم في المناطق غير المستقرة. على سبيل المثال، إذا اضطرت روسيا، تحت ضغط تصاعد العمليات العسكرية في أوكرانيا، إلى سحب جزء من قواتها الموجودة في سوريا، فستصبح إيران هي الدولة المرشحة لملء الفراغ العسكري الذي ستتركه القوات الروسية المنسحبة، وهو ما لن يكون مقبولاً إطلاقاً بالنسبة إلى "إسرائيل" التي قد تحاول استغلال الظروف لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، أملاً في شل برنامجها النووي وتدميره، الأمر الذي قد يفضي بدوره إلى حرب إقليمية واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط. 

أخلص مما تقدم إلى أنَّه يصعب، في تقديري، تصوّر أن تفضي الحرب الدائرة حالياً في الساحة الأوكرانية إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وأرجح، من ثم، أن تفضي هذه الحرب إلى واحد من احتمالين لا ثالث لهما:

الاحتمال الأول: تمكّن روسيا من حسم جولة الصراع العسكرية لمصلحتها خلال فترة زمنية معقولة، وبالتالي فرض سيطرتها التامة على شرق أوكرانيا وجنوبها، الأمر الذي ستضطر معه الدول الغربية، آجلاً أو عاجلاً، إلى قبول تسوية للأزمة الأوكرانية تستجيب للحد الأدنى من المصالح الروسية، وهو ما يعني تقبل الغرب هزيمة استراتيجية محدودة، لكنها ستكون كافية للدفع في اتجاه إحداث تغييرات كبرى في بنية النظام الدولي الراهن.

الاحتمال الثاني: دخول النظام الدولي تحت تأثير "نظرية الدومينو" في حالة من الفوضى التي قد يصعب السيطرة عليها، ما سيفتح الطريق أمام اندلاع حروب إقليمية في مناطق مختلفة من العالم، وربما التدحرج تدريجياً نحو حرب عالمية ثالثة لن ينجو من دمارها أحد.

المصدر: الميادين نت