لا يتورع رئيس النظام التركي رجب أردوغان في كل مرة عن محاولات التذاكي على الجميع من دون إدراك منه أن الأوراق أصبحت مكشوفة، ولم تعد الخيارات كثيرة ومتاحة للف والدوران، وكانت آخر هذه المحاولات إطلاقه ما سمي مشروع توطين مليون لاجئ سوري في المناطق السورية المحتلة، وحسب المعلومات التي نشرت فإن هذا المشروع سينفذ في 13 منطقة محتلة على رأسها جرابلس وأعزاز والباب وتل أبيض ورأس العين، بالتعاون مع المجالس المحلية التي أنشأتها قوات الاحتلال هناك، وحسب ما قال أردوغان فقد تمّ إنجاز 57 ألفاً و306 منازل في الشمال السوري، ضمن حملة تهدف لبناء 77 ألف منزل بالتعاون مع منظمات الإغاثة الدولية، وخاصة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ووفقاً لما نشرته صحيفة «صباح» التركية فإن ما سمته مشروع العودة الطوعية للاجئين، سيتم في المدن الكبرى المكتظة بالسوريين، مثل أنقرة وإسطنبول وقونيا وأضنة وغازي عنتاب، كما سيتم تقديم طلبات الدعم للتمويل من جهات محلية، أو أممية، حسب ما نشرته الصحيفة.

بغض النظر عما تنشره وسائل الإعلام الحكومية الموالية للحزب الحاكم من معلومات ترويجية، ومحاولاتها تزيين هذا المشروع الخطير وتجميله، وتقديمه على أنه الحل الأمثل لورقة السوريين في تركيا التي تحولت من ورقة سياسية بغطاء إنساني للمساومة بها مع الدولة السورية في الانتخابات، إلى ورقة داخلية تركية في الصراع بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة التركية قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في حزيران من العام القادم، فإنه من الواضح أن البازار الذي فتحه «الإخوان المسلمين» تحت عباءة «المهاجرين والأنصار» وغيره من الشعارات، قد سقط بعد انكشاف الأوراق القذرة للحرب على سورية وشعبها وتحول هؤلاء السوريين إلى عبء ثقيل، لا يعرف أردوغان وحزبه الحاكم كيف يتخلص منه، كما تخلص من أوراقه الأخرى المصرية (إخوان مصر)، والسعودية (جريمة خاشقجي)، والإماراتية (تورطها في انقلاب عام 2016)، والإسرائيلية (بيعه كالعادة للقضية الفلسطينية واتهام المقاومين بالإرهاب)، والآن أتى الدور على الورقة الخاصة بالسوريين في تركيا، بعد انقلاب السحر على الساحر.

هنا دعوني أبين لماذا ولد هذا المشروع ميّتاً، على الرغم من محاولات الترويج له من أردوغان وجماعته، والأسباب كثيرة وعديدة:

1- أسباب تتعلق بالسوريين أنفسهم: وفقاً لمعلوماتنا من تركيا، فإن الأغلبية العظمى من السوريين اللاجئين يرفضون هذا المشروع، وذلك لأنهم سيعادون ليس إلى مدنهم وقراهم التي تركوها بسبب الإرهاب المدعوم من أردوغان، ولكن سيوطنون في مناطق ليست لهم، وفي بيوت كعلب الكبريت، وسيتركون بين أيدي جماعات إرهابية ترعاها المخابرات التركية، فأي ضمانة لهم هناك؟! هذا جانب، إضافة إلى أن أغلبية السوريين بدؤوا يشعرون بأنهم ليسوا كبش فداء في الصراع الداخلي التركي، وليسوا عبئاً اقتصادياً على تركيا كما يروج، بل هم قوة عاملة ومنتجة، ونقلهم إلى تلك المناطق سيقضي على ما أسسوه طوال السنوات الماضية، وسيكون مساهمة في عملية التغيير الديموغرافي التي يخطط لها، وهم ينظرون للعودة إلى وطنهم ومناطقهم بعد تهيئة الظروف الاقتصادية التي كان للسياسة التركية دور أساسي في تدميرها خلال سنوات الحرب، وبحسابات بسيطة فإن إعادة مليون شخص إلى 70 ألف منزل تعني أن كل منزل سيضم عشرة أشخاص على الأقل، هذا إذا افترضنا أنه تم بناء هذا العدد من المنازل، وهذه الشروط ليست إنسانية إطلاقاً، وفيها كذب كبير.

2- البعد القانوني: من قال إن هذه الأراضي والممتلكات هي للأشخاص المفترض نقلهم إليها، إذ إن هناك ملكيات مثبتة بالقانون، والوثائق السورية، وهذا له بعد قانوني داخلي ودولي، ولا يمكن أن ينفذ لأنه مخالف لأبسط قواعد المنطق القانوني، وسيخلق إشكالات هائلة جداً، ولن تتخلص تركيا من تبعات ذلك، خاصة أنها كمن ينقل المشكلة من مكان إلى آخر، إضافة إلى أن هذه المناطق هي أراضٍ سورية محتلة، وهذا سيضع تركيا أمام مساءلات قانونية دولية.

3- البعد المالي والاقتصادي: يتساءل كثيرون في تركيا وغيرها، من أين سيأتي التمويل؟ وتروج هنا الأوساط الإعلامية الحكومية أن هناك مليار يورو سيأتي من الاتحاد الأوروبي، ولكن أوساطاً تركية معارضة تسأل من أجل ماذا سيمول الاتحاد الأوروبي؟ وما الأجندة المطلوبة من أردوغان كي يمول له هذا المشروع الخطير؟

4- البعد السياسي: إن هذا المشروع مرفوض بالمطلق من حلفاء سورية روسيا وإيران، وهو يخالف كل التعهدات التي قدمتها تركيا من خلال مسار أستانا بالحفاظ على وحدة الأراضي واستقلال سورية وسيادتها، كما أنه خرق لكل قرارات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي الذي أكد دائماً في مقدمة قراراته على وحدة سورية واستقلالها وسيادتها، وسيجعل الحكومة التركية تصطدم بخرقها تعهداتها السابقة أمام حلفاء سورية.

5- الرفض للمشروع داخل تركيا: يرى كثير من الأوساط الشعبية التركية أن إنفاق هذه المبالغ الضخمة يؤشر إلى أن الحكومة التركية تكذب على مواطنيها في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تعاني منها تركيا، فالحكومة التي لديها هذه الأموال يفترض بها أن تنفقها على مواطنيها، وليس على مواطني دولة أخرى! إضافة إلى وجود معارضة داخل أوساط الحزب الحاكم من نوابه في المحافظات الحدودية، الذين يرون أن ذلك سيفتح لهم بوابات خطيرة في المستقبل، وسيغلق أي إمكانية للتعاون مع الدولة السورية. وبرأي هذه الأطراف فإن المستفيد الوحيد من هذا المشروع ليس الأتراك ولا السوريين، بل شبكات المافيا التي نمت خلال فترة الحرب، وفي رعاية الاحتلال التركي، وحسب معلومات موثقة ودقيقة أعلنها زعيم حزب وطن التركي دوغو بيرنتشيك أن حجم فساد هذه الشبكات وصل إلى خمسة مليارات دولار، يتم جمعها من نهب وسرقة موارد الشعب السوري، ومن أعمال التهريب للبشر والآثار والنفط والقمح، أو من خلال التجارة بالمواد المختلفة بالاتجاه المعاكس، وهذه الشبكات المافيوية تضم سوريين وأتراكاً، وهؤلاء لهم مصلحة في استمرار الاحتلال التركي لتستمر أعمالهم وشبكاتهم، وهم الذين يروجون الأخبار الكاذبة بعد مرسوم العفو الأخير رقم 7 الذي أصدره الرئيس بشار الأسد، كما يروجون لأخبار مضللة حول الانسحاب الروسي من سورية، وغير ذلك الكثير.

يعتقد أردوغان وجماعاته التركية، وما يسمى معارضة سورية، أن بإمكانه تحت عنوان توطين اللاجئين السوريين ضم هذا الشريط الحدودي مع سورية، وهو أمر لا يمكنه فعله لأسباب كثيرة، ذكرت جزءاً منها، أضف لذلك أن هذا المشروع ليس مشروعاً لنقل الأغنام أو الأبقار، ولا يمكن التعاطي معه بهذه الخفة واللامسؤولية، بدليل أنه تراجع قليلاً عن التصريح الأول، وقال إنه لن يجبر أحداً على المغادرة، وخاصة بعد أن لمس رد الفعل الأولي القوي على هذا المشروع الملتبس والخطير.

لقد آن الأوان ليفهم أردوغان أن الزمن تغير، وأن طرق المناورة التي كان يتبعها سابقاً أصبحت مكشوفة ومفضوحة داخل تركيا وخارجها، وأن صبر الجميع ينفد تدريجياً من هذه السطحية بالتعاطي مع الشأن السوري، أو ما سميته سابقاً «الأسد فوبيا».

يجب أن يفهم المرتزقة الذين عاثوا فساداً في سورية أن زمنهم يقترب من نهايته، وأنهم سيفاجؤون بخطوات متتالية تسحب منهم الأوراق التي ظلوا يتاجرون بها سنوات طويلة، ومرسوم العفو الرئاسي الأخير أحدها، وهو ما أربكهم وجعلهم يعملون بكل الوسائل لتشويهه، ولكن الخطوات القادمة قد تفاجئهم أكثر، لأن المبادرة يجب أن تنتقل إلى أيدينا نحن السوريين، وينتهي زمن التجارة بآلامنا، وأوجاعنا، ومأساتنا التي لا تزال مستمرة.

أعود وأكرر ما قلته في مقالات سابقة في صفحات «الوطن» السورية: لا مخرج لتركيا، كي لا أركز على رئيسها، إلا بالحوار المباشر مع دمشق، والدولة السورية، وزمن التذاكي انتهى، والظروف تغيرت كثيراً، وهذا المشروع ولد ميّتاً، ولن يحل معضلة أردوغان أو تركيا، والحل هو فقط مع دمشق، ولا حل آخر.

وإن غداً لناظره قريب.

الوطن السورية