م. ميشيل كلاغاصي 

 

منذ اللحظات الأولى لإنطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصة لنزع السلاح النازي في أوكرانيا , انطلقت وسائل الإعلام حول العالم , بمراسليها وكتابها ومحلليها , وكلٌ بحسب منظوره وتقييمه ومصالحه الخاصة لرصد ما يحدث , واحتلت أخبار حزم العقوبات الأمريكية والأوروبية المتتالية على روسيا صدارة العناوين الإعلامية . 

وعلى الرغم من وضوح الرؤية والحقيقة , والصبر الروسي , على فظاعة ما تعرض له الأوكران الروس لسنوات في دونباس , من قتلٍ وتعذيب وإبادة جماعية , ومن المحاولات الدؤوبة لتوسيع تهديد الناتو بإتجاه روسيا , لم يستطع العالم أن يُجمع ويجتمع على تقديم الحلول العقلانية السلمية لإنهاء وإقتلاع جذور الأزمة , وسط تهرب الولايات المتحدة من تقديم الضمانات الأمنية التي طالبت بها موسكو لحماية أمنها القومي والحيوي , نتيجة عدم إلتزام حلف الناتو بتعهداته حول التوسع شرقاً , ووصوله إلى الحدود الروسية عبر حكومة النازيين في أوكرانيا , الأمر الذي يؤكد المخطط الصهيو - أمريكي لجرّ روسيا وأوكرانيا وجميع الأطراف الأوروبية والدولية نحو ساحة المعركة.  

وكي نتبعد عن المثالية السياسية , وحقيقة لجوء بعض الحكومات والدول إلى استراتيجية افتعال الأزمات وشن الحروب لتحقيق مصالحها , إلاّ أن الإجماع السلمي يبقى على مستوى غالبية الشعوب , التي لا يسرها رؤية الأسلحة والطائرات تجوب سماء المدن والمجتمعات الإنسانية , وما يعقبها من مشاهد مؤلمة للتهجير واللجوء ومغادرة البيوت والحقول والمصانع , والسير عبر أسلاك الحدود الشائكة بحثاً عن النجاة بحياتهم , وبملجأ اّمن وببعض الغذاء والدواء. 

فالدول العاقلة , بالإضافة إلى غالبية شعوب العالم , لا يؤيدون العقوبات الأمريكية أحادية الجانب التي تفرضها على الدول والشعوب بشكلٍ لا قانوني , بما يتعارض مع القيم والحقوق الإنسانية , ومع نصوص وروح ميثاق الأمم المتحدة , إذ تلجأ إليها الولايات المتحدة ومن يدورون في فلك هيمنتها وسطوتها , من رؤساء وأنظمة حاكمة , تأصل الشرّ في قلوبهم وعقولهم , ويحلمون بالدعم الصهيو – أمريكي , كوسيلةٍ لتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب دولهم وشعوبهم , كالأوكراني زيلينسكي والفرنسي ماكرون والألماني شولتز.   

على الرغم من معارضة بعض الدول لهذه الحرب وتلك العقوبات , ورفض البعض منهم إملاءات واشنطن السياسية والإقتصادية , الهادفة إلى فرض الإرادة الأمريكية في المعركة , وسط محاولات البعض الوقوف على الحياد , وعدم خسارة علاقاته مع كلا الطرفين , لكن هذا لم يكن ليفي بالغرض , ولم يمنع واشنطن من الإستمرار بمخططاتها. 

ومن خلال فرض هذه العقوبات , تبدو ازدواجية المعايير جليةً , حتى بالقياس والمقارنة مع مفردات وعناوين الحملة الإعلامية والسياسية , التي شنتها على روسيا , وتركيزها على استخدام مصطلحات مزيفة كـ "العدوان الروسي" , "جرائم الحرب", و"جرائم الإبادة الجماعية" الروسية , وهي ذات العناوين التي يقوم بها فعلياً العدو الإسرائيلي في فلسطين والجولان السوري المحتلين , حتى في أوكرانيا , والإحتلالين الأمريكي - البريطاني والتركي , وأدواتهما الإرهابية والإنفصالية , في سورية والعراق , دون أن إدانة أممية ودولية , وسط صمتٍ مخزي أكثر من 19 عاماً في العراق , و12 عاماً في سورية , ناهيك عن عقود إحتلال فلسطين والجولان. 

لقد سارعوا لإدانة روسيا , وتوعدوا بجعلها تدفع الثمن , وانطلقوا لتعميم الفوضى والحروب حيثما تصل أياديهم , وهددوا الأمن القومي الروسي والأوراسي والصيني والأوروبي والتركي والسوري والعربي , والأمن الإقتصادي والغذائي والزراعي والمائي لجميع دول وشعوب العالم , بالإضافة إلى خلق الأجواء التي تهدد العالم بالحروب العالمية الشاملة الجرثومية والكيميائية والنووية. 

هل فكر العالم بمستقبل السياسات الأمريكية , وتداعياتها على حياة جميع ساكني الكوكب , ماذا عن الجوع , وارتفاع أسعار السلع الغذائية والأدوية , وعن التهجير , وسفك الدماء , ومن هو المستفيد من إيلام البشر , وتدمير دولهم وحياتهم , ومستقبل أجيالهم , من أجل  بقاء الولايات المتحدة على عرش حكم العالم والسيطرة عليه.  

مالذي يدفع دول العالم وشعوبه , لقبول دفع فواتير الأوهام والأحلام والأطماع والكراهية , التي يتم توجيهها نحو دولٍ بعينها , كروسيا وسورية وإيران وكوبا وفنزويلا وغير دول , لمجرد أنها رفضت الإستسلام والخضوع لمشاريعهم , وهل من مصلحة العالم أن تُهزم روسيا قبل أن تنفذ وعدها بـ "تصحيح التاريخ" , وتصحيح سلوك ومسار الأمم المتحدة , وعودتها إلى واجباتها مهامها التي أُنشأت من أجلها , وعلى رأسها الحفاظ على التوازن الدولي واستقراره , وحماية الدول الضعيفة , وتقديم العون والمساعدة لكل من يحتاجها على مساحة العالم . 

لطالما كانت أهداف الدول الكبرى السعي لزيادة نفوذها , لكن النظام الأحادي , منح أرباب الشر في الولايات المتحدة , فرصة الهيمنة على العالم , واليوم اّن الأوان لزوال هذا النظام الشرير , مع صعود عديد الدول , وقدرتها على التعاون , وإيجاد الحلول السلمية والعقلانية لكافة المشاكل والصعوبات والتحديات التي تواجه الدول والشعوب. 

وفي ضوء الأزمة الدولية في أوكرانيا , والتغييرات والتداعيات والمخاطر الناشئة , لا تزال فرصة تصحيح الأمور متاحة , لمن يقرأ السطور وما بين السطور , فالمراهنة على الولايات المتحدة هي مراهنة على استمرار تهديد السلم العالمي , ومن المهم لطالبي ومحبي الأمن والسلام , أن تُبحر مراكبهم وملاحتهم السياسية , بإتجاه روسيا والصين وعديد الدول العاقلة.