عندما استعمر الغرب بلداننا نهب كل خيراتها وثرواتها، كما سرق أهم كنوزها التي تتمثل بأمات الكتب والمخطوطات في كل العلوم ونسبها إليه لاحقا وصدرها لنا برؤيته، رسالة الغرب لنا كانت أبعد من ذلك، حيث كان مضمونها ” لا تتعذبوا في القراءة ، نحن نقرا عنكم ” ولتحقيق ذلك قام الغرب بإنتاج الأفلام والمسلسلات وضخ فيها سمومه ومبادئ تخريب القيم في مجتمعاتنا وحرفها، و كل من في الشارع العربي يعرف بطل المسلسل التركي ( مهند ) أبو الألف حلقة الذي أُعجبت به كل النساء و تسابقت إليه شركات الإنتاج والفيديو كليبات لاستخدامه في الإعلان لمنتجاتها وترويج أغانيها لينهي المسلسل الطويل بزواجه من صديقه في تكريس لزواج المثليين.
ما سبق ذكره يعيدنا الى موضوع القراءة ودور المؤسسات الرسمية والأهلية في تعزيز حب القراءة لدى كافة الفئات، الصحف المطبوعة كانت أكثر الوسائل المتاحة لتشجيع القراءة رغم عدم تعمقها، فكم من العائلات كانت تفاخر بأن ولدها الصغير أصبح قادراً على القراءة في الجريدة، وكم من الأبناء كانوا يتصارعون على الجريدة في المنزل، فمنهم يريد قراءة أخبار الرياضة، وآخر الأبراج، وثالث الكلمات المتقاطعة، ورابع في مواد الثقافة وخامس في الأخبار الاقتصادية والمحلية وهكذا لتدور الجريدة على كل أفراد العائلة، كما هناك شريحة كبيرة كانت من طقوسها تصفح الجريدة صباحاً مع فنجان القهوة، و كذلك الأمر في المؤسسات وغير ذلك.
الجرائد كان لها دور كبير في المجتمع رغم وجود من يقول عكس ذلك، وعودة الصحف للطباعة ليست وجهة نظر، هي ضرورة في هذا العالم المنفتح والمُسيطر على فضائه من شركات إطلاق المنصات، ولن يكون لنا وجود فيه ما لم نمتلك إدارة منصات خاصة بنا، ومن يتصفح المنصات لن يجد فيها شيئاً مما نقوم بنشره، بينما نجد غزارة فيما تريد الترويج له تلك المنصات.
الصحف المطبوعة ذاكرة مهما كان مضمونها ضعيفاً، والإعلام المطبوع له أثره الكبير أكثر من أي نوع إعلامي آخر، لأنه يتعامل مع كلمة مكتوبة ونص مخرج وصورة يُمكن حفظها وتناقلها لسنوات طويلة، فهي على الأقل وثيقة تؤرشف الذاكرة الوطنية، وهي تُنمي القراءة التي يحاول اليوم اتحاد الكتاب العرب استعادتها مشكوراً من خلال الذهاب الى الأرياف.
اليوم لا يوجد بلد بدون صحافة مطبوعة، وتتصدر الولايات المتحدة العالم بعدد الصحف المطبوعة، وإذا كانت صحافتنا فشلت في لعب دور يريده البعض فإنها كانت ناجحة لدى شريحة كبيرة تسأل عنها اليوم، ولا يوجد ظرف يمنع من عودتها، وخسائرها المادية لا تزيد عن صرف فارق الأسعار لأي عقد لتنفيذ مشروع صغير.
هناك أجيال تتراوح أعمارها مابين الثلاثين والثمانين عاماً تعودت على عطر الورق، سواء كان الأمر للقراءة أو معرفة الأخبار أو البريستيج، أو حتى مسح الزجاج، هذه الأجيال لا يمكن تجاهلها، وان كانت المشكلة مادية فهذه لها ألف حل، أو ليضعها الجميع ضمن مشروع التشجيع على القراءة.
كانت صحفنا الرسمية تتشابه بمواضيعها وطروحاتها وهذا صحيح ، ولكن ذلك له أسباب، بالمقابل اليوم أصبحت كل المواقع الرسمية والخاصة تتشابه إلا فيما لا تستطيع المواقع الرسمية التعامل معه كي لا يُحتسب موقفاً رسميا للبلد.
الطرح لا يعني العودة العمياء الى الإصدار الورقي السابق، فالتطور سنة الكون، وهذا التوقف فرصة لإعادة صياغة مشروع إعلامي مطبوع بعقلية مختلفة في المضمون والشكل والتسويق والإدارة والتمويل ومنح التعويضات، مشروع يحاكي الواقع والظروف التي نعيشها اليوم، هذا الأمر يجب أن يأخذ طابع الحتمية وليس وجهة نظر نتبناها أو نتجاهلها ، صحيح أن غياب الصحافة المطبوعة أفرح الكثيرين ولكن لم تكن نابعة من الحرص على توفير المبالغ وإنما من إسكات منبر أزعج الكثير منهم وعرقل مشاريعهم التي لا تصب في المصلحة العامة.

الثورة