ليلى نقولا 
 
منذ حرب أوكرانيا، يسير الاتحاد الأوروبي والغرب عموماً، بمسيرة تدمير غير مسبوقة لكل ما قامت عليه أسس الغرب.

يناقش الاتحاد الأوروبي إقرار قانون يتيح لدول الاتحاد مصادرة اليخوت والمنازل الفخمة والأموال، لما سمّوه "الأوليغارشية" الروسية، وذلك لإعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب. وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، وعدد من الدول الأخرى، أعربوا عن دعمهم مصادرة الأصول الروسية، بحجة أن الروس هم المسؤولون عن الضرر في أوكرانيا، وبالتالي يجب أن يتحملوا مسؤولية إعادة البناء، بدلاً من أن تكون الفاتورة الضخمة على عاتق الاتحاد الأوروبي.

واقعياً، إن هذا الاقتراح الأوروبي هو صدى لاقتراح سابق للرئيس الأميركي جو بايدن. وقد هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأن "سرقة ممتلكات الآخرين، لا تنتهي أبداً بشكل جيد"، متهماً الدول الغربية بأن سياساتها ضد روسيا هي محاولة لمواجهة المشاكل داخل بلدانها، لكن لا فائدة منها، بحسب قوله. 

عملياً، منذ حرب أوكرانيا، يسير الاتحاد الأوروبي خاصة والغرب عموماً، بمسيرة تدمير غير مسبوقة لكل ما قامت عليه أسس الغرب، بالإضافة إلى ارتكاب أخطاء استراتيجية سيدفع ثمنها غالياً، ونذكر منها ما يلي:

1-  مبدأ "المصادرة":

من الناحية القانونية، إن مبدأ "مصادرة" أصول مواطنين دولة ثانية لمجرد اتهامهم بأنهم "أوليغارشية" روسية، هو مبدأ مخالف لأبسط قواعد حكم القانون، وحقوق الإنسان. فلا تعريف "جرمياً" واضحاً لما يُسمّى الأوليغارشية لبناء قضية قانونية للمصادرة. علماً أن حق الملكية معترف به في المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومكفول في المادة الأولى من البروتوكول الأول للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بوصفه "الحق في التمتع السلمي بالممتلكات".

أما من الناحية العملية وبيئة الاستثمار، فإن هذه السابقة الأوروبية بمصادرة ممتلكات أشخاص وبيعها، ليس لغرض الصالح العام أو لاتهامهم بالتهرب من الضرائب أو سواه، بل عقاباً لدولتهم على سلوكها الدولي، سيدفع العديد من المستثمرين في العالم إلى التفكير ملياً قبل الاستثمار وشراء العقارات في الاتحاد الأوروبي. 

لطالما قام الاتحاد الأوروبي، بالتسويق لمبادئ الحكم الرشيد وحكم القانون في دول العالم الثالث، منطلقاً من فكرة أن حكم القانون يشجّع بيئة الاستثمار، لأن المستثمرين لن يأتوا ليستثمروا حيث لا يكون هناك آليات قانونية  شفافة يستطيعون من خلالها الدفاع عن أنفسهم وعن استثماراتهم. 

مستخلصة العِبَر من التجربة الروسية، قامت الصين بإصدار توجيه لكبار المسؤولين وعائلاتهم يمنع امتلاك عقارات في الخارج أو حصص في كيانات خارجية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر (من خلال الأزواج والأطفال). كما يُمنع هؤلاء من فتح حسابات بنكية تودع فيها كميات كبيرة من الأموال خارج البلاد، وذلك بهدف حماية الأصول الصينية من التجميد والمصادرة كنتيجة لأي اشتباك سياسي أو عسكري مع الغرب في المستقبل.

2-  التأثير المرتدّ للعقوبات على روسيا

يندفع الغرب وبالأخص أوروبا إلى فرض عقوبات غير مسبوقة على الروس، ويهدفون من وراء ذلك إلى إيقاع أشد الضرر بالروس حتى لو تسبب ذلك في كوارث اقتصادية (لهم وللعالم)، تبدو أحياناً أكثر وطأة على أوروبا ممّا هي على الروس أنفسهم.

يُطرح في هذا الإطار، موضوع الأمن الغذائي العالمي، إذ اتهمت فون دير لاين الروس بالتسبب في مجاعة وأزمة غذاء عالميتين، فردّ نائب وزير الخارجية  الروسي أندريه رودينكو، إنّ "حل المشكلة الغذائية يمر عبر مقاربة جماعية تشمل خصوصاً رفع العقوبات التي فرضت على الصادرات الروسية والتعاملات المالية". في المقابل، اندفع وزير الاقتصاد وحماية المناخ الألماني روبرت هابيك في المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى موقف شبيه بموقف مادلين أولبرايت حول العراق، فقال "إذا كان جزء من سكان العالم يموتون جوعاً، وطلب منا رفع العقوبات عن روسيا... مستحيل أن نقوم برفع العقوبات حتى لو مات ١٠٠ ألف شخص".

أما في موضوع الطاقة، وبالرغم من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية إلى أعلى سعر لها منذ أكثر من عقد من الزمن، يبحث الأوروبيون في حظر الطاقة الروسية ويناقشون في كيفية تغيير قواعد التصويت في الاتحاد الأوروبي لتخطي رفض هنغاريا(المجر) الذي أعلن رئيسها عن أن حظر الطاقة الروسية سوف يؤدي إلى كوارث اقتصادية كبرى في بلاده. ويبحث الأوروبيون العودة إلى استخدام الفحم تخوفاً من انقطاع الغاز الروسي، بالرغم من أن ذلك يمسّ بكل الخطط الأوروبية السابقة لحماية البيئة واستخدام الطاقة البديلة والتي يقوم بها الاتحاد منذ عقود.

بالإضافة إلى الغاز الروسي، تستورد دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية اليورانيوم المخصّب من روسيا والذي يستخدم في توليد الكهرباء. عام 2021، استوردت الولايات المتحدة بقيمة مليار دولار من اليورانيوم المخصّب من روسيا. في عام 2020، استوردت دول الاتحاد الأوروبي 20.2 % من احتياجاتها من اليورانيوم من روسيا و19.1 % أخرى من حليفة روسيا كازاخستان، وعبر الأراضي الروسية.

3- سياسة إذلال روسيا

بالرغم من تحذير كل من ماكرون وكيسنجر من الاندفاعة الأوروبية إلى إذلال روسيا، ما زالت السياسات الأوروبية تضع نصب عينيها اعتماد سياسة الإذلال لكل من بوتين شخصياً وروسيا كدولة.

تنطلق التحذيرات البراغماتية الواقعية من الدروس والعِبَر التاريخية. لجأ الأوروبيون إلى إذلال روسيا بعد هزيمتها في حرب القرم (1853-1856) التي قاتلت فيها روسيا القيصرية ضد الأوروبيين والعثمانيين معاً. وكانت النتيجة، أن إذلال روسيا أدّى إلى سقوط النظام الأوروبي برمته، وعدم استقرار أوروبا لفترات طويلة. أضف إلى ذلك، إن سياسة الإذلال التي استخدمها الأوروبيون ضد ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، أدّت إلى تدمير أوروبا مرة ثانية في الحرب العالمية الثانية.

في النتيجة، هي حرب كبرى يخوضها الغرب ضد روسيا في أوكرانيا، لكن الغرب بسياساته وإجراءاته الانتقامية، يبدو أنه ابتعد عن السياسة العقلانية في العلاقات الدولية، والتي تقول باستخدام خيار سياسي بعد مقاربة "الكلفة - الأرباح"، فأحياناً تبدو الكلفة المدفوعة أوروبياً أكثر من الربح المحقق أو حتى من الكلفة التي يدفعها الروس أنفسهم.

الميادين