يبدو أن التحركات العسكرية الروسية والرسائل النارية التي وجهتها عند خطوط التماس وداخل المناطق التي يحتلها النظام التركي شمال وشمال شرق البلاد، كبلت يدي النظام التركي ودفعته باتجاه التريث في شن عدوانه الذي توعد به قبل أسبوع، ما دفع رئيس هذا النظام رجب طيب أردوغان للتغطية على خطوة التراجع من خلال تصريحات عنترية حول عدم انتظاره إذناً من واشنطن والتي يعلم جيداً بأنها العراب والداعم الأساسي لكل ما يقوم به.

«الفيتو» الروسي ووفق ما يظهر على الأرض، فعل فعله، في لجم تهور أردوغان وإفقاد تهديداته لزخمها، بالإضافة إلى المواقف الإقليمية والدولية الرافضة لأي عدوان عسكري تركي لاحتلال أراض داخل الشريط الحدودي السوري بعمق ٣٠ كيلو متراً، الأمر الذي أدى إلى انفراج ميداني نسبي تخلله خروقات للاحتلال التركي في جبهات القتال التي كانت مرشحة لشن العدوان.

وأمس، واصل سلاح الجو الروسي توجيه رسائل من نار تحذر نظام أردوغان من تجاوز الخطوط الحمر المرسومة حول دائرة مطامعه العدوانية التوسعية على طول خطوط فصل وقف إطلاق النار، السارية المفعول منذ تشرين الأول ٢٠١٩، شمال وشمال شرق البلاد، وتجاوزتها إلى عمق المناطق المحتلة في مارع شمالاً.

وأوضحت مصادر محلية في الحسكة لـ«الوطن»، أن سرباً من المقاتلات والمروحيات الروسية استمرت أمس ولليوم الثالث بطلعاتها الجوية فوق خطوط التماس التي تفصل مناطق سيطرة ميليشيات «قوات سورية الديمقراطية- قسد» التي تسيطر على «الإدارة الذاتية» عن الحدود التركية ومناطق هيمنة الاحتلال التركي في ريف الحسكة الشمالي وفوق بلدة أبو راسين ومحيط تل أبيض شمال الرقة، وصولاً إلى عفرين وإعزاز والباب وجرابلس في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي.

وأكدت، أن سلاح الجو الروسي نفذ غارات جوية في منطقة خاوية من أي وجود عسكري تركي أو مما يسمى «الجيش الوطني» الموالي للنظام التركي، لكنها قريبة من أحد مواقع الأخيرة بمحيط بلدة المناجير جنوب رأس العين، في رسالة واضحة تدل على عزم القوات الجوية الروسية استهداف أي تقدم باتجاه البلدة التي تشهد مع أريافها تصعيداً عسكرياً مستمراً من الاحتلال التركي منذ إعلان نظامه عن نيته القيام بعمل عسكري باتجاهها، من جملة أهداف أخرى، في تشرين الأول الماضي.

إلى ذلك، ذكرت مصادر معارضة نقلاً عن مصدر مطلع في «الجيش الوطني»، أن النظام التركي، وبعد تحديد مسار العملية العسكرية ومراحلها، أبلغ متزعمي ميليشياته خلال اجتماع عقد السبت الماضي في منطقة حوار كلس الحدودية «تأجيل العملية العسكرية إلى أجل لم يحدد بعد»، وذلك على خلفية «الرفضين الإقليمي والدولي لأي تغيير على خريطة السيطرة على طول الشمال السوري».

في المقابل، اقترحت «الإدارة الذاتية» الكردية في بيان لها، نشر قوات أممية وبقرار أممي لـ«ردع تركيا عن استفزازاتها»، ودعا البيان إلى ضرورةِ «أن تقوم الجهات الضامنة لعمليات وقف إطلاق النار، بمسؤولياتها في سورية، والعمل على وضعِ حدٍ لهذه الممارسات التركية».

وأكد مراقبون للوضع في مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» لـ«الوطن»، أنه ليس من حق هذه «الإدارة» طلب تدخل أي جهة خارجية لحماية الحدود السورية أو أي منطقة سورية، وهو مؤشر على ارتهانها بشكل كامل ومطلق لقرار وأجندة الإدارة الأميركية المتحكم الأول والأخير بقراراتها وتوجهاتها.

وأمام هذه المتغيرات الميدانية، لجأ أردوغان إلى رفع نبرة خطاباته العنترية في سلوك اعتاد عليه عند كل مأزق يتعرض له، حيث زعم بأن أنقرة لا تنتظر «إذناً» من الولايات المتحدة لشنّ عملية عسكرية جديدة في سورية، وقال: «لا يمكن محاربة الإرهاب عبر أخذ إذن من أحد».

ورداً على سؤال عن تحذير أميركي من مغبة شن حملة عسكرية جديدة في سورية، قال أردوغان: «إذا كانت الولايات المتحدة لا تقوم بما يترتب عليها في مكافحة الإرهاب فماذا سنفعل؟ سنتدبر أمرنا».

وكانت الولايات المتحدة أعربت على لسان المتحدث باسم خارجيتها نيد برايس عن «قلق بالغ» إزاء إعلان أردوغان أن بلاده ستشنّ قريباً عملية عسكرية جديدة في شمال سورية لإنشاء «منطقة آمنة» بعمق 30 كيلومتراً على طول حدودها مع جارتها الجنوبية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية «ندين أي تصعيد، ونؤيّد الإبقاء على خطوط وقف إطلاق النار الراهنة».

الوطن - وكالات