ميشال كلاغاصي 
 
تهرّب إردوغان من تعهداته ومن اتفاقيات أستانة وسوتشي، وخدع الجميع تحت عنوان الدولة الضامنة، واستمر في مشروعه الأطلسي – العثماني.

يخطئ من يعتقد أنّ سوريا تتعرض عبر حدودها الشمالية للعدوان التركي - الإرهابي المشترك فقط، في حين أنها تواجه قوات حلف شمال الأطلسي كلها. بات هذا الأمر معلناً بعد تصريح الرئيس التركي بالتزام بلاده سياسة الناتو، مع دعوته إلى إنشاء "منطقة آمنة" في الشمال السوري وحماية حدود بلاده، العضو الرئيسي في "الناتو"، بدلاً من دعم طلب فنلندا والسويد الانضمام إلى الحلف. 

هذا الأمر يقودنا إلى التأكيد أنَّ مشروع تدمير سوريا وتقسيمها وتقاسمها هو مشروع صهيو - أميركي تقوده الولايات المتحدة عبر الناتو وتركيا و"إسرائيل" والانفصاليين الكرد وغيرهم، بالاشتراك مع عدد من الدول الأوروبية وبعض الأنظمة العربية، صاحبة الوكالة الحصرية في تمويل الإرهاب والاستمرار في تغذية الفكر التكفيري، وبقيادة الإعلام العربي بكل أشكاله، للتحريض على سوريا، والترويج للروايات التضليلية، لتبرير عدوان المشروع الغربي المدمر وجرائمه، إضافةً إلى تبرير الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والترويج لعناوين رواياتها المزورة، لمساعدتها على الاستمرار والإفلات من العقاب. 

ومع تطابق أهداف المشروعين الغربي والعثماني، وجد الرئيس التركي وحزبه الإخواني الفرصة للعدوان على سوريا، وإحياء أطماعه العثمانية، والفوز باستلاب المزيد من الأراضي السورية وقضمها، ووجد بدايةً في اتفاقية أضنة 1998 ما يبرر دخوله الأراضي السورية، تحت عنوان حماية أمن بلاده القومي، وحماية الشعب السوري من دولته، وعودة اللاجئين إليها بعد تأهيلها، والقضاء على مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا "إرهابياً"، وابتكر ذرائع لعدوانه، واحتفظ لنفسه بحقوق استثمار تنظيمي "داعش" و"جبهة النصرة" الإرهابيين والنسخ المحلية المنحولة عنهما، فيما دُعي زوراً "المعارضة المسلحة" و"الجيش الوطني" وغير ذلك.

ونتيجة رفض إدارة ترامب منطقة إردوغان العازلة بطول 460 كم وعمق 32 كم، لجأ إلى تنفيذ 3 عمليات عسكرية عدوانية احتلالية رئيسية داخل الأراضي السورية، تحت مسميات "غصن الزيتون" و"درع الفرات" و"نبع السلام"، مارس من خلالها عمليات التهجير العرقي والتغيير الديموغرافي، ناهيك بأعمال السلب والنهب الممنهج والتتريك وفرض العملة التركية، وإلحاق هذه المناطق السورية بدورة الاقتصاد التركي، بهدف استدامة الاحتلال في ظلِّ قواته العسكرية، وجنباً إلى جنب مع التنظيمات الإرهابية، وخصوصاً "جبهة النصرة"، التي لم تعد تنظيماً إرهابياً بالنسبة إلى أنقرة وواشنطن، اللتين وضعتا ثقتهما بالإرهابي أبو محمد الجولاني زعيماً وقائداً ومتحكماً في حياة المواطنين، ومشرفاً على المساعدات الإنسانية والإرهابيين والأسلحة التي تدخل إلى سوريا من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.

تهرّب إردوغان من تعهداته ومن اتفاقيات أستانة وسوتشي، وخدع الجميع تحت عنوان الدولة الضامنة، واستمر في مشروعه الأطلسي – العثماني. ومؤخراً، أعلن عن مشروع إعادة مليون سوري إلى مناطق احتلاله وإرهابييه، بعدما أنشأ جداراً إسمنتياً داخل الأراضي السورية على طول الحدود. ولاحقاً، قام بحفر الخنادق الضخمة لفصل 5 مدن ومناطق على امتداد الحدود الشمالية السوريا (الباب، أعزاز، عفرين، جرابلس، تل أبيض، وإدلب) عن الأرض الأم وسوريا الوطن.

وفي فعلٍ مشابه، قامت قوات الاحتلال الأميركي بإنشاء منطقة حكم ذاتي، و"تكريد" منطقة الجزيرة السورية، عبر ميليشيات "قسد" الانفصالية، وبممارساتٍ يندى لها الجبين، من قمع وقتل واختطاف للمواطنين، والاعتداء على الأبنية الحكومية الخدمية الرسمية، واقتياد الشباب والأطفال قسراً لتجنيدهم في صفوفها المتهاوية، نتيجة انكشاف حقيقتها، وارتباطها العضوي بالحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي، ناهيك بقيامها بمساعدة قوات الاحتلال الأميركي على سرقة القمح والنفط السوري والآثار وغيرها من الثروات. 

كذلك، لجأت إلى استغلال الملف الإنساني و"ملف المعابر"، عبر سفيرتها لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، لتعلن العام الماضي عن مساعداتٍ أميركية "لشعب سوريا واللاجئين السوريين والدول التي تستضيفهم" بقيمة 240 مليون دولار، وكررت المشهد ذاته اليوم، وأعلنت من خلال مؤتمر بروكسل، في غياب سوريا وروسيا، عن مساعدات أميركية بقيمة 800 مليون دولار.

ومن دون أي خجل، أعلنت أن بلادها هي "أكبر المانحين للشعب السوري"، في الوقت الذي تحرص أنقرة وواشنطن وقيادة الناتو على وصول تلك المساعدات وما تخفيه الشاحنات إلى إرهابيي جبهة "النصرة" وغيرها من الفصائل والتشكيلات الإرهابية. يا لها من وقاحة تلك التي تجعل السفيرة غرينفيلد تقول إن بلادها "أكبر المانحين" للشعب السوري، وهي التي تسرق نفطه وقمحه بشكلٍ يومي! كان عليها أن تتحلى بالشجاعة، وأن تعلن أن بلادها "أكبر السارقين".  

وقامت واشنطن في 12 أيار/مايو بمنح إعفاءٍ يشمل معظم مناطق شمال سوريا، والمناطق التي تسيطر عليها ميليشيات "قسد" شرق الفرات، من العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون "قيصر"، بما يسمح بالتحويلات المالية واستثمار الشركات المحلية والأجنبية فيها.

يمكن ملاحظة مدى تطابق المخططات والأفعال القذرة للاحتلالين الأميركي والتركي وأدواتهما الإرهابية والانفصالية، وما يجري الحديث عنه من صفقة تركية، لمقايضة قبول "المنطقة الآمنة" في سوريا بقبول عضوية فنلندا والسويد إلى الناتو، فقد طرحت واشنطن سابقاً مقايضة أخرى تربط انسحابها من سوريا مقابل اعترافها بقرار ضمّ الجولان السوري المُحتل إلى الكيان الإسرائيلي.

وفي ظلِّ شراسة المشروع الأطلسي – العثماني – الإرهابي – الانفصالي، عبرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية في 20 أيار/مايو، ومن خلال بيانٍ شديد اللهجة، عن رفضها مشروع "المنطقة الآمنة"، ونددت بالتصريحات "الرخيصة العدوانية" للمجرم إردوغان، وبمساوماته "الدنيئة"، وانخراطه اللاأخلاقي في المشروع "التفتيتي التقسيمي" الذي يخدم الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة والغرب، وأكدت أن إنشاء هذه المنطقة "لا يهدف إلى حماية المناطق الحدودية بين سوريا وتركيا"، بل إنشاء "بؤرة متفجرة" تساعد بشكل أساسي على تنفيذ المخططات الإرهابية الموجهة "ضد الشعب السوري"، وطالبت المجتمع الدولي "بعدم مساومة إردوغان على أراضي دول الغير"، وأكَّدت أنها "ستواجه هذه المؤامرة الجديدة القديمة" بمختلف الوسائل المشروعة، دفاعاً عن شعبها ووحدة أرضها.