شهدت الأسابيع الماضية ارتفاعا لمنسوب التوتر والتصعيد في المنطقة، وارتفعت معها مؤشرات الحرب. وما ان تعثر توقيع العودة للاتفاق النووي في فيينا بسبب رفض الولايات المتحدة مطالب ايران في ورقة الضمانات، حتى اطلقت إسرائيل سلسلة استفزازات في سورية ولبنان وضد ايران. ولا نكشف سرا ان قلنا كلا من محور المقاومة وإسرائيل رفعا مستوى الجهوزية والاستعداد جديا لتلك المواجهة.
وبالتزامن مع احتمالات الحرب، استفاقت مشروعات تحمل طابعا استراتيجيا، مثل مشروع نشر رادارات إسرائيلية في الشرق الأوسط في دول مثل البحرين والامارات، ومشروع” الناتو الشرق اوسطي” الذي يضم دولا عربية وإسرائيل. ملك الأردن “عبد الله الثاني” اكد جدية هذا المشروع في حديث لوسائل الاعلام الامريكية. وذهبت التقديرات للإشارة الى ان زيارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن ” للمنطقة بداية الشهر المقبل سوف تتوج مشروع دمج إسرائيل مع دول عربية لتشكيل حلف عسكري موجه ضد ايران ومحور المقاومة.
لكن تطورات الساعات الأخيرة في المنطقة قد تحمل تغييرا جوهريا لهذا المشهد وتعديلا في المسارات السابقة، وقد تفرمل التصعيد القائم. وسنتحدث هنا عن تطورين مهمين يحدثا خرقا في المشهد في الفترة المقبلة.
اهم تطور جرى خلال الساعات الماضية هو زيارة مسؤول السياسية الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” الى طهران. وطالما حمل بوريل بنفسه الأجوبة الامريكية على الطروحات التي قدمتها ايران لنائبه “انريكي مورا ” عندما زار طهران قبل أسابيع. فهذا يعني ان بوريل حمل انفراجا معه للجانب الإيراني، وان الرسالة الامريكية إيجابية، وقد تكون الإدارة قد وافقت على الشروط الإيرانية. وبهدا تكون فرص توقيع الاتفاق ارتفعت.
بوريل قال كلاما هاما في طهران ويمكن الإشارة الى نقطتين لافتتين:
ـ الأولى، إعلانه عن ان اللقاء المقبل لن يكون في فيينا انما في دولة خليجية مجاورة ” ربما لتسهيل حضور الروس للقاء، فقد يتعذر سفرهم الى فيينا بسبب العقوبات على خلفية الحرب بين روسيا والاطلسي في أوكرانيا. ولكن قد لا يكون هذا السبب الوحيد، فمن المحتمل ان يكون اللقاء في دولة خليجية يعني ان المحادثات ستكون أمريكية إيرانية غير مباشرة. لا نتوقع ان هذه المحادثات ستأخذ وقتا طويلا. لان المفاوضات النووية قد انتهت منذ اخر جولة من مناقشة كل التفاصيل، ولم يبق سوى الاستجابة الامريكية للطلبات الإيرانية. وستكون وفق تقديرنا المحادثات المقبلة شكلية لاعطاء مخرج للجانب الأمريكي لتمرير موافقته على التصور الإيراني.
ـ النقطة الثانية، هي تصريح بوريل بان لا احد يمكنه الحديث عن استقرار منطقة الخليج من دون الاخذ بعين الاعتبار ايران الدولة الأكبر في المنطقة والمزود الكبير المحتمل للطاقة. كلام بوريل هذا وهو القادم الى ايران بعد اجتماعه بممثل الولايات المتحدة الخاص بايران “روب مالي”. يعني ان المشروعات التي يحكى عنها لتشكيل” ناتو عربي إسرائيلي”، ليست سوى ورقة ضغوط أمريكية، وليست مشروعات قابلة للتحقيق اقله في المدى المنظور. واذا صح ما وصلنا من معلومات حول زيارة جو بايدن بانها تهدف بالدرجة الأولى لمناقشة قضايا الطاقة لتخفيف التداعيات الاقتصادية لحرب أوكرانيا في الداخل الأمريكي، وان القضايا السياسية والأمنية ستكون ثانوية في لقاءاته مع الزعماء العرب، فان هذا قد يعني ان الحديث عن مخططات بايدن ومشاريعه الجديدة للإقليم ليست على النار الساخنة. وحتى ما كشفه الاعلام الإسرائيلي قبل أسبوع عن نشر رادارات إسرائيلية في دول خليجية وعلى ذمة مصدر إيراني مطلع ليس الا كذبه إسرائيلية، والدول التي اشار اليها الإعلام الإسرائيلي حرصت على التواصل مع طهران وقدمت ادلة على ان ما يقوله الإسرائيلي عبارة عن كذبة لا أساس لها على ارض الواقع ” حسب المصدر”.
رغم ذلك فان قناعتنا التامة ان الاستراتيجية الامريكية تقوم على المدى البعيد على تسليم المنطقة العربية الضعيفة ودولها الهشة للقيادة والريادة الإسرائيلية، وهي ستفشل وتضيف فشلا جديدا لسجل الإخفاقات في منطقتنا.
التطور المهم الاخر في السياقات الجديدة المعاكسة لحركة التصعيد التي تسيدت مشهد الأيام الأخيرة، هي الزيارة التي يقوم بها الان رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي” لكل من طهران والرياض.
ما كشفته “قناة الميادين” مساء امس عبر مصادرها جاء مفاجئا لجهة هدف الزيارة. وحسب القناة فان الكاظمي تحرك لاعادة مسار الحوار الإيراني السعودي الذي توقف مؤخرا.
وعلى الأرجح يحمل الكاظمي جديدا في جعبته لاحداث خرق حقيقي في الحوار. واذا نجحت مهمة الكاظمي فاول خطوة لهذا النجاح هي عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وهذا يقود الى ان الكلام عن ناتو “عربي إسرائيلي” ضد ايران غير وارد حاليا، ولا يمكن تصديق مثلا ان مصر تدخل حلفا عسكريا مع إسرائيل ضد ايران. مع تكرارنا ان هدف تقريب العرب من إسرائيل ودمجها بالمنطقة يظل هدفا أمريكيا معلنا.
والاهم ان التفاهمات الإيرانية السعودية سيكون لها انعكاسات إيجابية في مجمل الإقليم.
هناك تطورات أخرى مهمة ومهمة جدا لامجال لذكرها الان، سيتم الإعلان عنها خلال الأيام المقبلة.
يبقى السؤال المهم هنا : هل هذه التطورات سوف تفرمل التصعيد في المنطقة وتفتح الباب لاحتمالات التسوية. هل ستلجم الولايات المتحدة بناء على ذلك إسرائيل المتضرر الأكبر من هذه المستجدات. وماذا عن ازمة الحدود البحرية مع لبنان؟ تبقى هذه فرص وربما ينهار كل شيء كما حصل مرارا ونعود الى حافة الحرب.
رأي اليوم