محمّد نادر العمري 


 
كان لافتاً خلال الجلسات الماضية الانقسام السائد في مواقف رؤساء البعثات الدبلوماسية وتصريحاتهم ومفرداتهم، وهو ما يعكس طبيعة اشتداد الصراع الذي يشهده النظام الدولي.

مرة جديدة، يشهد مجلس الأمن جولة كباش وتجاذب واضحة تجاه الملف السوري. هذه المرة، تعود المسألة الإنسانية، وخصوصاً صيغة الآلية المتبعة لإيصال المساعدات، إلى الواجهة.

 بدأت ملامح هذا الكباش منذ شهر تقريباً، بانتهاء مدة القرار 2585 الذي تبناه مجلس الأمن العام الماضي، غير أن المؤشرات الميدانية والسياسية السورية والإقليمية والدولية، ولا سيما طبيعة العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي، لا توحي باحتمال مشاهدة "الدخان الأبيض" في التوصل إلى قرار توافقي جديد، أو تمديد القرار الحالي في يسر وسهولة، في العاشر من هذا الشهر.

القرار 2585 الذي تبناه المجلس في بداية الشهر السابع من العام 2021، جاء بعد بوادر التقارب التوافقي بين واشنطن وموسكو، عقب اجتماع كل من فلاديمير بوتين ونظيره جو بايدن في أثناء لقائهما الأول في جنيف، بعد تولي بايدن إدارة البيت الأبيض.

أوحت تلك الفترة، من خلال اللقاء الذي جمع الزعيمين، بأنَّ هناك توافقاً مبدئياً حول عدد من ملفات الصراع بينهما، بما في ذلك الأزمة السورية، وأن التوافق على هذا القرار جاء بعد جملة التصادمات التي حصلت بين وفديهما في مجلس الأمن، وتكوّن انطباع بأن من الممكن أن تتسع دائرة التوافق بينهما لتطال الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما يمهّد لحلّ سياسي في سوريا بتوافق دولي.

ولكن تسارع التطورات السلبية بشكل دراماتيكي في العلاقات بين الدولتين خلال العام المنصرم، لم يصب في خدمة هذا التصور، ولم يوفر المناخ والظروف الإيجابية، كما كان مأمولاً به، بل على العكس من ذلك، أدت هذه التطورات إلى انعكاسات سلبية على آليات الحوار والتعاون بين الدولتين بعد تفجر الأزمة الأوكرانية، وهو ما أرخى بظلاله الرديئة على الأزمة السورية.

تعقّب التصريحات التي أدلى بها ممثلو الدول والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، في الجلسات الأخيرة، التي عقدها مجلس الأمن بخصوص هذا الملف منذ 20 أيار/مايو الماضي، يوحي بأن الأيام المقبلة ستشهد كباشاً سياسياً مؤكداً بين المتبني لنهج إيصال المساعدات عبر الحدود، بعيداً عن إشراف الحكومة السورية، والداعم لإيصال هذه المساعدات عبر الخطوط، بالتنسيق مع دمشق، وهذا ما برز في:

أولاً، كان لافتاً خلال الجلسات الماضية الانقسام السائد في مواقف رؤساء البعثات الدبلوماسية وتصريحاتهم ومفرداتهم، وهو ما يعكس طبيعة اشتداد الصراع الذي يشهده النظام الدولي، ومعظم هذه المواقف تحدد الأغراض والأهداف السياسية، وليست الإنسانية.

ثانياً، من المؤكد أن معركة "كسر العظم" التي تشهدها الساحة الأوكرانية ستستمر في ترك تداعياتها على الملفات الأخرى، بما فيها الأزمة السورية، التي تشهد توسيعاً لدائرة المناكفات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي.

 كان آخر تلك المناكفات نقل واشنطن ما يزيد على 33 قيادياً من تنظيم "داعش" الإرهابي من السجون التي تديرها ميليشيات "قسد" إلى منطقة التنف، وذلك قبل أسبوع من استهداف حافلة تقل عسكريين ومدنيين في طريق ريف الرقة من الشهر الماضي، تخللها قيام سلاح الجو الروسي بقصف مواقع لميليشيات ما يسمى "جيش المغاوير" قرب قاعدة التنف، ثم شن حملة عسكرية واسعة سورية روسية لملاحقة فلول التنظيمات في البادية السورية.

بالطبع، إن ازدياد التوتر الميداني سيقابله التأزم السياسي في المواقف والتوجهات.

ثالثاً، من النقاط اللافتة جداً التي برزت في هذه الجلسات موقف دولة الإمارات المتحدة الذي عبّر عنه السفير محمد بوشهاب نائب المندوب الدائم، عندما رفض أن تخضع آلية إيصال المساعدات عبر الحدود للأهداف والمصالح السياسية للدول، "في إشارة إلى النظام التركي الذي يوظف وجود معبر باب الهوى على أراضيه للتحكم في مسار الشاحنات واستغلالها لإدخال الأسلحة والمسلحين وإخضاعها لسيطرة جبهة النصرة وأهوائها"، ومطالبة بوشهاب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بدعم مشاريع التنمية المبكرة ومساعدة الحكومة الشرعية في إعادة بناء البنى التحتية ورفع الإجراءات القسرية عنها، في إشارة إلى ما يسمى قانون قيصر.

 هذا الموقف الإماراتي يشير إلى زيادة توسع الدول الراغبة في إنهاء الأزمة السورية، ويقوّي موقف حلف سوريا في مجلس الأمن، ويعزز في الوقت ذاته موقف روسيا داخل هذا المجلس وفي المجتمع الدولي، ويسقط كل المحاولات الغربية الدعائية والإعلامية والاقتصادية التي اتّبعها تجاه موسكو لعزلها، وتقليل نفوذها ودورها في الساحة الدولية.

رابعاً، توجيه المندوب السوري الاتهام إلى الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا بعرقلة تنفيذ بنود القرار 2585، بالتوازي مع اتهام الكيان الصهيوني باستهداف المطار والمرافئ الساحلية، ما يؤكّد حقيقة أن السلوك العدواني الصهيوني لم يكن ليتمّ لولا الضوء الأخضر الأميركي، إن لم يكن بتوجيه مباشر.

والغرض من هذا السلوك العدواني هو تعطيل أحد المواقع الحيوية التي أسهمت، وفق ما أكده المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا في بيان صادر عنه بتاريخ 13 حزيران/يونيو، في تيسير حركة 2143 من العاملين الإنسانيين، ونقل الإمدادات المنقذة للحياة، وتوفير دعم وخدمات أساسية لأكثر من مليوني سوري في محافظات حلب والحسكة ودير الزور والرقة، عبر الرحلات الجوية الإنسانية للأمم المتحدة.

استهداف هذا الموقع الحيوي بهذا التوقيت، وقبل شهر من الجلسة المقررة حول آلية الدعم المقدمة لسوريا، يوحي بأنَّ واشنطن تريد التذرع بإبقاء آلية الحدود وتوسيعها على حساب آلية الخطوط، بعد تعطيل المطار وإخراجه من الخدمة.

خامساً، على الرغم من الأرقام والبيانات المخيفة التي أعلنها الأمين العام ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية خلال الفترة الماضية عن وجود 14.6 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، ووقوع 90% من السكان تحت خط الفقر، وتداعي البنية التحتية وانخفاض النشاط الاقتصادي إلى النصف، فإنهما لم يتحليا بالجرأة الكافية والموضوعية الأخلاقية في توجيه الاتهام إلى من تسبّب بذلك، سواء بدعم الإرهابيين أم فرض الإرهاب الاقتصادي.

سادساً، في ظلِّ ما سبق من معطيات تتضمن مؤشرات تصعيدية محتملة، سنكون أمام عدة سيناريوهات متوقعة في ما يتعلق بآلية إيصال المساعدات في الجلسة المقبلة لمجلس الأمن حول هذا الملف في العاشر من الشهر الحالي وما يتخللها من مشاورات، أبرزها:

1.    عدم التوصل إلى أي توافق حول مشروع جديد أو القرار الحالي 2585، ما يعني عدم شرعية دخول أي قافلة مساعدات أممية عبر الحدود وتعطلها، ولا سيما أن هناك مشروعين اليوم: الأول، روسي يتضمن ضبط إدخال المساعدات عبر المعبر الحدودي (باب الهوى)، وتلافي ثغرات القرار 2585، وفرض آلية متابعة لتنفيذه، فضلاً عن دعم التوجه نحو إيصال المساعدات عبر إشراف دمشق، والآخر مشروع القرار النرويجي الأيرلندي الذي يتضمن إدخال تعديلات شكلية فقط على القرار 2585 من دون تغيير مضمونه.

2.    التوصل إلى توافق على صيغة جديدة أو الصيغة الماضية من القرار، بعد إدخال تعديلات عليها بما يتناسب مع متغيرات ميدانية وسياسية تشهدها الجغرافيا السورية والإقليمية والدولية.

الميادين