تصدرت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران أمس الثلاثاء، عناوين الصحف المحلية والعالمية لما تحمله من دلالات إقليمة ودولية، هزت الأوساط السياسية في العالم أجمعه وخاصة الغربية منها.
تقول صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، إن توقيت زيارة الرئيس الروسي إلى إيران "حاسم وليس صدفة"، خاصة بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لإسرائيل والسعودية وتعهده بأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام "كل عناصر قوتها الوطنية" لمنع عدو مشترك "إيران" من امتلاك أسلحة نووية، متسائلة: "فمن يجب أن يحضر في العاصمة الإيرانية؟ طبعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين".
وبرأي الكاتب مارك ألموند، مدير معهد أبحاث الأزمات في جامعة أكسفورد، عندما يقوم سيد الكرملين بزيارة نادرة خارج روسيا، فإن ذلك يتسبب في حدوث هزات عنيفة في الأعماق الغربية، والسبب وجيه، حيث أن إيران هي دولة "منبوذة" بالنسبة لأمريكا وحلفائهما، ولقد جعلت من طموحاتها النووية ودعمها لحلف المقاومة بمثابة "بعبع" للغرب.
الخط المتشدد
يرجع كاتب المقال أسباب هذه الزيارة إلى مصالح روسيا الإقليمية المتداخلة مع إيران، إضافة إلى شدة العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا وذلك بعد إطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتي تجاوزت تلك التي تعاني منها إيران منذ سنوات طويلة، حيث تعد روسيا الآن "الاقتصاد الأكثر معاقبة في العالم".
واليوم، هناك مخاوف غربية كبيرة من أن بوتين يضاعف قوته، وهو الآن عازم على تحويل بلاده - التي تمتلك في الأساس ترسانة نووية ضخمة - إلى "إيران ضخمة أخرى عندما ما يتعلق الأمر بعلاقتها بالغرب".
وهنا تشير الصحيفة إلى أن لقاء بوتين مع القادة الإيرانيين "المتشددين" في طهران هذا الأسبوع إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، هو ظاهريا لمناقشة القضايا المتعلقة بسوريا، "لكن القمة هي عرض لتحالف ناشئ حديث مناهض للغرب، والذي يمتد من أطراف أوروبا الشرقية إلى بحر الصين الجنوبي - مع روسيا الأم في مركزه".
ويعتبر الكاتب أن ذلك يعد احتمالا تقشعر له الأبدان اليوم، بعد أكثر من 30 عاما من انتهاء الحرب الباردة، أدت العملية العسكرية في أوكرانيا والإدانة القوية من قبل الغرب إلى حرب باردة جديدة مع روسيا، الذي يعد تطورا مخيفا بناء على التحالفات المتغيرة للجغرافيا السياسية الحديثة، ليطلق على "هذه المعركة الناشئة "الحرب العالمية Z"، بناء على الرمز المعروض على الدبابات الروسية في أوكرانيا، وهو رمز يجسد رفض بوتين الشامل للغرب".
وأشار المقال إلى أن كلام مستشار بوتين للسياسة الخارجية، يوري أوشاكوف، جاء بمثابة تحذير بغض النظر عن لغته الدبلوماسية الدولية، حيث أكد أوشاكوف في حديثه للصحفيين أن "حوار الثقة" قد تطور بين روسيا وإيران، مشيرا إلى أنه "في معظم القضايا، مواقفنا متقاربة أو متطابقة".
وفي كلتا الحالتين، ليس هناك شك في أن هناك علاقة مزدهرة بين البلدين بصرف النظر عن الأعداء المشتركين في الغرب، إذ تعمل روسيا وإيران على تطوير التعاون في مجال التكنولوجيا العسكرية، حيث كانت "المخابرات الأمريكية قد حذرت من أن روسيا تسعى للحصول على مئات الطائرات دون طيار الإيرانية لنشرها في أوكرانيا"، الأمر الذي نفته روسيا، وكذلك تعمل البلدان على تطوير التعاون في صناعات الغاز والنفط.
لقد وقعت روسيا للتو صفقة ضخمة لتطوير النفط مع إيران، بينما تقوم في نفس الوقت بإعادة تنشيط طرق النقل بين البلدين، كما أن انقطاعها عن التكنولوجيا بسبب العقوبات الغربية الأخيرة، قرب روسيا أكثر من إيران للاستفادة أيضا من خبرتها الطويلة في الالتفاف حول العقوبات وإيجاد بدائل.
من جهة ثانية، أشار الكاتب إلى أن وجود الرئيس التركي في هذا اللقاء سبب خطير آخر يدعو للقلق، حيث أصبحت تركيا تحت قيادته، التي كانت ذات يوم دولة علمانية تواجه الغرب، أكثر استبدادا من أي وقت مضى، مضيفا: "لطالما عملت على تحويل مصالحها وسياساتها بعيدا عن الديمقراطيات الغربية إلى أنظمة أكثر إثارة للقلق في الشرق".
ويتابع أن "عضوية تركيا في الناتو لا يبعث على الراحة بشكل عام، حيث تلعب دور حصان طروادة، وتتطلع إلى مقايضة قصاصات التعاون مع الغرب من أجل الحصول على صفقة أفضل مع روسيا، حيث تحصل على الكثير من نفطها وغازها".

نزاع
ينوه المقال إلى أن الحكومات الغربية تتحمل مسؤولية التقليل من "قوة أيديولوجياتهم (روسيا، إيران، تركيا) المشتركة"، في حين أن تركيا تقف على مسافة مختلفة من روسيا وإيران عندما يتعلق الأمر بالصراع في سوريا، حيث أن روسيا وإيران متحدتان في دعم حكومة الرئيس السوري بشار الأسد بينما تركيا تدعم تلك المجموعات المتطرفة المناهضة لحكم الأسد، إلا أن جميع الدول الثلاثة متحدة في معارضة الأكراد الموالين لأمريكا في البلاد.
وفي الوقت نفسه، تلوح الصين في الأفق وراء هذا التحالف الجديد المكون من ثلاثة أجزاء، على أساس أن الصين، وهي دولة صناعية ضخمة متعطشة للموارد، تريد الوصول إلى النفط والغاز الروسي والإيراني الرخيصين، والحبوب الروسية التي يرغب البلدان ببيعها لهما، مضيفا أن الصين لديها أيضا شيء من "الإيديولوجية المشتركة مثل فلاديمير بوتين"، إذ "يعتقد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن مجتمعه يتمتع بقدرة أكبر على التحمل من مجتمعنا".
في الوقت نفسه، يؤكد المقال أن هناك أزمة طاقة شتوية تلوح في الأفق في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، الأمر الذي سيضع الغرب تحت الاختبار، وإذا ما تعثرت الخطوات الأوروبية في مواجهة تحديات انخفاض درجة الحرارة، فإن الولايات المتحدة ومعها بريطانيا سيكون دورهما أساسي في "تقوية العمود الفقري لحلفائنا".
ويشدد ألموند هنا أنه "لا ينبغي لنا أن نخدع أنفسنا بأن وقف إطلاق النار في أوكرانيا سوف يمثل عودة إلى الحياة الطبيعية"، فإن العالم قد شهد مؤخرا "تحولا زلزاليا في الطريقة التي تتعامل بها روسيا مع الغرب والطريقة التي نتعامل بها مع روسيا".
تهديد
وتؤكد الصحيفة مجددا أن قمة طهران هذا الأسبوع، هي دليل واضح على أن الرئيس الروسي يعمل على "توجيه روسيا على المدى الطويل - ليس فقط في حياته ولكن لخلفائه"، حيث يشهد العالم اليوم "بداية تنافس جديد متعدد الأجيال بين الغرب مقابل تحالف بوتين".
ويرى الكاتب أنه في الحرب الباردة الأولى، تصارع الغرب مع كل من الإيديولوجية الشيوعية وكذلك مع القوة الروسية، حيث أرعبت التهديدات الغرب حينها لسنوات، لكن اليوم تغير التهديد، "ويأتي في شكل روسيا "المحظورة" بشكل دائم، وهي دولة أوراسية شاسعة بالشراكة مع الصين وإيران ودول أخرى معادية للغرب - وهو تهديد يلوح في الأفق بشكل كبير عبر نصف الكرة الشمالي بأكمله".
ويختم بالقول: "لا أعتقد أنه من المبالغة القول إن هذا الخطر الناشئ يحتمل أن يكون منافسا أكبر للغرب من الاتحاد السوفيتي القديم - وسنحتاج بسرعة إلى إعادة اكتشاف قوة البقاء التي كانت لدينا في القرن العشرين لمواجهتها".