إعداد: علا منصور - نور الشربجي

تحميل المادة


تستمر المواجهة بين فيروس كورونا المستجد والعالم كله لما تجاوز الستة أشهر، فلا دواء ولا لقاح، ولا عادت إجراءات الوقاية قادرة على حماية الناس دون أن تعرضهم ودولهم لإجهاد اقتصادي لا يمكن تحمله.
فرضت الجائحة غير المسبوقة على جميع المشتغلين في الشأن العام، وفي مقدمتهم كبار المفكرين والمنظرين السياسيين، لحظة توقف للمراجعة وإعادة التقييم. أبرز الأمثلة هو عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما الذي أعلن نهاية التاريخ عند انهيار الاتحاد السوفياتي، وعدَّ الاقتصاد الحر نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، والديمقراطية الليبرالية الصيغة النهائية للحكومة البشرية. يقول اليوم أنه لا غنى عن الدولة في مواجهة الفيروس، وأن استجابة المجتمع المدني مهما كانت كبيرة لن ترقى إلى استجابة الدول، وأن أداء الحكومات سيحمل بالغ الأثر على مستقبل التوزيع العالمي للقوة –ما بعد الجائحة. وأشار إلى أن الكفة ستميل لصالح شرق آسيا، مقابل أمريكا المستقطَبة، والتي يقودها رئيس لم تَشهد له مثيلاً في العجرفة والتّعنت وإثارة الانقسامات.
ولئن انشغل دونالد ترامب بانتخاباته القادمة، أو بالجائحة التي تسجل أعلى أرقامها في بلاده، أو بالشعب الأمريكي المنتفض ضدَّ العنصرية المتجذرة في النظام الأمريكي منذ قرون، إلا أنه لم ينشغل عن الاستمرار بحربه الاقتصادية على سورية، إذ دخل ما يسمى "قانون قيصر لحماية المدنيين" حيز التنفيذ في 17 حزيران/يونيو 2020، "جوهرة تاج الإرهاب الاقتصادي الممارس بحق سورية والسوريين منذ عقود وإلى اليوم، لإجبارها على تغيير سياساتها أو من يصنعها.
"قانون قصير" استعراض للقوة، بطعم اليأس، فسورية تخضع لمجموعة من الإجراءات الاقتصادية القسرية أحادية الجانب، "عقوبات" الأمريكية منها والأوروبية، هي الأشد والأكثر تعقيداً والأطول أمداً. و "قانون قيصر" اليوم هو آخر الدواء ربما، أي "تجويع السوريين"، إذ يؤثر على قطاعات رئيسة مرتبطة بعيشهم اليومي مثل الزراعة والأدوية والطاقة، حتى لو ادعى صانعوه غير ذلك. فحجة "الاستثناءات الإنسانية" لا تنفي غياب التحديد والوضوح، الذي لن تتوانى المصارف وشركات التأمين والشحن، إضافةً إلى التجّار –الذين لم يعتادوا المخاطرة مطلقاً– عن التذرع به لوقف أي تعامل مع شخص أو جهة على ارتباط بسورية، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية المحلية وحتى الدولية.
لم تنجح "العقوبات" غالباً في تغيير سلوك الدول، في أماكن ومراحل تاريخية مختلفة، ولن يحمل "قانون قيصر" على ذلك جديداً، لا سيما وأن للدولة السورية حلفاء يدعمونها، هم بطبيعة الحال "معاقبون أمريكياً". الجزء الأكبر من النشاط التجاري الروسي في سورية –كمثال– يديره رجال أعمال أسماؤهم مدرجة أصلاً على لائحة العقوبات الأمريكية. إن غاب هذا الأمر عن فكر صانع السياسة في أمريكا فهذه مصيبة، وإن لم يغب، فالمصيبة أعظم، وهذا الأرجح، إذ يقول السفير الأمريكي السابق في سورية روبرت فورد: «لن تذعن الحكومة السورية للمطالب الواردة في قانون قيصر-ناهيك عن أن تنهار، من غير المحتمل أن تتنازل روسيا وإيران عن هزيمتهما للأمريكيين والتوقف عن دعم دمشق. الأشهر القادمة أصعب على السوريين واللبنانيين». فهم يهدفون، وعن سابق إصرار، إلى مفاقمة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في سورية، وإفقار فئات من السوريين، وإعاقة أي احتمال للتعافي الاقتصادي. ما يعني أن الولايات المتحدة تعاقب السوريين على رغبتهم في العيش في منازلهم أو قرارهم البقاء في بلادهم.
يزيد "قانون قيصر" من قتامة المشهد السوري، وهذا أمر لا يمكن إغفاله، لكنَّه لا يعني النهاية، ويبدو أن أوراقاً جديدة ستخرج "من كُمِّ" دمشق أو حلفائها، وإلا لماذا يعين بوتين مبعوثاً خاصاً إلى سورية ويجعل الملف السوري تحت إشرافه المباشر، في ما سماه باحثون روس "استعادة لمكانة الدبلوماسية بمقابل العسكرة"؛ أو لماذا تتباحث موسكو ودمشق حول توسيع قواعدها العسكرية في سورية. لن يعدم محور دمشق الوسيلة، وهو الأخبر في التعامل مع التسلط الأمريكي وأساليبه وأدواته.
وإذا اعتمدت الولايات المتحدة الاقتصاد حالياً في الحرب على سورية، إلا أنها لم تتخلّ عن الأساليب والأدوات والحجج التقليدية. فما زال الحديث عن "داعش" وعودته ذريعة يُعاد استعمالها للإبقاء على الوجود العسكري الأمريكي في سورية وفي العراق أيضاً؛ كذلك موضوع الأكراد وحمايتهم من الخطر التركي –حليف أمريكا، أو إيجاد ظروف تفاوضية أفضل لهم، أو فرض وجودهم في المحادثات حول مستقبل سورية، المرفوض في المقام الأول من قبل تركيا –حليف أمريكا. ما يعني بالعموم أن "البقاء" في سورية هو محل اتفاق بين مفكرين أمريكيين هم على طرفي النقيض في المواضيع الأخرى كلها. لذا لن تحمل الانتخابات الأمريكية مهما كانت نتائجها تغييراً واضحاً في الملف السوري بشكل مباشر، لكن قد يكون لها، أو حتى لاستعداداتها، تأثير على ملفات أخرى مهمة مرتبطة بالحدث السوري.
أما في الوقت الراهن، فالعبء الأكبر يقع على عاتق الحكومة السورية –وعلى حلفائها طبعاً، فأحد أهم أهداف "قيصر" هو رفع تكاليف بقائهم في سورية– لتقليص الأضرار، وتمكين الناس من تأمين احتياجاتهم الأساسية، وحماية المجتمع السوري كلل، أمور لا تتجاوز الممكن ولا تتطلب إلا إرادة وحزماً.
تقرؤون في هذه العدد من تقرير «سورية في عيون مراكز الدراسات العالمية»، أبرز ما نُشر عن سورية في كبريات مراكز الأبحاث، خلال شهر حزيران/يونيو 2020، موزعَة على المحاور الآتية:
أولاً – الفوضى تجتاح “المركز”
يعرض المحور الأول ما يجري في الولايات المتحدة من تظاهرات مناهضة للعنصرية الأمريكية، بالإضافة إلى استمرار التفشي الكبير لفيروس كورونا هناك، واللا استقرار الناتج عن هذه ين العاملين في الدولة التي كانت تظن أنها في منأى عن الفوضى.
ثانياً – إرهابٌ اقتصادي ضدَّ سورية
تتناول مقالات هذا المحور الوضع الاقتصادي السيء الذي تعيشه سورية نتيجة لوباء كورونا وللإغلاق الذي تسبب به في سورية والجوار والعالم؛ وكذلك "قانون قيصر" وأهدافه الحقيقية والمعلنة.
ثالثاً – الرهانات على منطقة الحدود السورية-التركية
مقالات هذا المحور مخصصة للحديث عن الديناميات الجارية في شمال سورية، خصوصاً الشرقي، والمرتبطة بشكل رئيس بسياسات تركيا في المنطقة، ورهانات الفواعل كلها على مستقبلها، المنظور والبعيد.
رابعاً – تطلعات روسيا في المتوسط
تبحث مقالات المحور الرابع في الدور الجديد الذي تحاول روسيا أن تلعبه في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتزايد تأثيرها في سورية وفي ليبيا، ما انعكاسات هذا الدور، وكيف تنظر أمريكا إليه ومعها تركيا وكل دول حلف شمال الأطلسي.
خامساً – “داعش” كي لا تخرج أمريكا من سورية والعراق
في هذا المحور آراء لباحثين أمريكيين يتحدثون عن عودة تنظيم "داعش" في سورية والعراق، وإشارة إلى تحذيراتهم السابقة حول هذا الموضوع، وإحالة متوقعة إلى ضرورة بقاء أمريكا في البلدين لـ "قتال التنظيم".

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات