محمد نادر العمري
 

خلال أقل من أسبوع شهدت المنطقة الإقليمية ضمن ما يسمى حلبة الشرق الأوسط قمتين متتاليتين متناقضتين في الأطراف المشاركة ومتفقتين على طرح الشعارات المتضمنة حفظ النظام الإقليمي، القمة الأولى استضافتها جدة السعودية إثر زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة، أما الثانية فقد حضنتها طهران وضمت زعماء ترويكا أستانا.

الملاحظ أن القمتين طرحتا شعارات تمس الأمن الإقليمي والبحث عن آليات لإدارة هذا النظام ما يضمن السلام والاستقرار، غير أن الأهداف الحقيقية لهاتين القمتين تتعدى ما طرحته من شعارات «بالونية» في ظل سعي كل القوى المتناقضة والمشاركة تحت مظلة أي منهما، فقد كانت تسعى لتحقيق مصالحها بالدرجة الأولى، وتحسّن من صورتها ومكانتها بالدرجة الثانية، وترسل رسائل داخلية وإقليمية ودولية بالدرجة الثالثة.

إذ هدفت الولايات المتحدة الأميركية التي شاركت في قمة جدة إلى جانب دول الخليج مجتمعةً إضافة إلى كل من العراق والأردن ومصر، إلى تحقيق أهداف على المستوى الإستراتيجي يتمثل أبرزها في محاولة إعادة دورها في المنطقة بعد تراجعه نتيجة عاملين، الأول مرتبط بزيادة دور ونفوذ خصومها الصاعدين إقليمياً ودولياً، أي روسيا والصين وإيران، والعامل الثاني يتمثل في إهمال الإدارات الأميركية مؤخراً للمنطقة وتركيزها على احتواء الصين في جنوب شرق آسيا، وروسيا في شرق أوروبا، وفي الوقت ذاته هناك هدف تكتيكي انتخابي للرئيس الأميركي جو بايدن دفعه لزيارة المنطقة، يتجلى أولاً في حصوله على دعم اللوبي الصهيوني بعد تبنيه ما يمكن وصفه بإستراتيجية دمج إسرائيل مع الدول غير المطبّعة، عبر تعزيز التعاون بين الجانبين، وقد برزت في فتح الأجواء والمطارات السعودية للطائرات الإسرائيلية، ولخدمة الهدف الانتخابي أيضاً مارس بايدن ضغوطاً على دول الخليج لزيادة إنتاجها من الطاقة لتحسين الواقع الاقتصادي الأميركي قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس، وذلك بعد أن شهد هذا الاقتصاد أعلى نسبة تضخم تجاوزت 8.6 بالمئة وهي أعلى معدل منذ 40 عاماً نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.

في المقابل فإن قمة طهران التي جمعت للمرة الأولى منذ شباط 2019 رؤساء إيران وروسيا وتركيا، كان لانعقادها غايات تكتيكية وإستراتيجية لكل دولة على حدة، فمن حيث الأهداف الجمعية تصدر السعي للحفاظ على مسار أستانا كمسار فعال وأكثر تأثيراً من المسار الذي تتبناه واشنطن لحل الأزمة السورية، أولوية أهداف هذه الدول، وتأكيد ذلك ما ردده الرؤساء الثلاثة في تصريحاتهم المشددة على أهمية الحفاظ على هذا المسار وتدعيمه عبر دعوة دول إقليمية للانضمام له كالسعودية ومصر والأردن والعراق لزيادة فعاليته، وهو ما يمنح الدول الثلاث دوراً متصاعداً في النظام الإقليمي في مواجهة الدور والتأثير الأميركي الساعي لنشر الفوضى المستنزفة للجميع.

إن مجرد انعقاد القمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوقت الذي تتعنت به واشنطن لعدم العودة للاتفاق النووي، يعني أن طهران تبحث عن تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية بعيداً عن التأثر بالتوجهات الأميركية، وهي باتت على قناعة للبحث عن خيارات بديلة تمثل حلولاً جذرية لتفادي عقوبات تنعش من خلالها اقتصادها المرهق، ومشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بهذه القمة بالتزامن مع احتدام الصراع مع الغرب في أوكرانيا، ليس هدفه كسر العزلة الروسية كما اتهمه صقور الإدارة الأميركية، بل تعزيز التوجه الإستراتيجي الروسي في تمتين العلاقات وبلورتها مع دول عمق وجنوب آسيا وهو ما سيكون له تأثير اقتصادي وأمني وسياسي مستقبلاً، أما النظام التركي الباحث عن زيادة دوره في المنطقة بأي وسيلة كانت، سعى من خلال مشاركته في قمة طهران لشرعنة اعتداءاته على الشمال السوري لتحقيق غايات استعمارية، إلا أنه تلقى صفعة مزدوجة رافضة لهذا التوجه، لكنه في المقابل حصل على امتياز روسي تمثل في التوصل لاتفاق إسطنبول المتضمن نقل الحبوب من الموانئ الأوكرانية، وهو ما يعتبر امتيازاً سياسياً واقتصادياً لرئيس النظام التركي الذي يقف على حافة الهاوية قبل الانتخابات الرئاسية والعامة العام المقبل.

ما بين جدة وطهران مساحة جغرافية «برية وبحرية» واسعة وفاصلة، إلا أن طبيعة الصراع جعلتهما وجهين لفعالية متناقضة، وهذا يبرز في:

أولاً- القمتان أكدتا بشكل معلن أو ضمني على أهمية المنطقة جغرافياً وما تتمتع به من موارد اقتصادية مهمة، لا يمكن تجاهلها مهما اتسعت رقعة الصراعات في أرجاء المعمورة.

ثانياً- القمتان صحيح أنهما طرحتا شعارات تتعلق بالحفاظ على الأمن في النظام الإقليمي، إلا أن هذه الشعارات هي مجرد بالونات إعلامية، هدفها إما جعلها وسيلة لزيادة التدخل في المنطقة لتحقيق مصالح توسعية، أو جعلها إحدى رقعات الصراع بين القوى المتصارعة عالمياً، فضلاً عن أن الحديث عن أي استقرار للأمن الإقليمي يتطلب مجموعة من المقومات الذاتية والموضوعية غير متوفرة حتى يومنا هذا.

ثالثاً- يسجل لقمة طهران أنها حققت العديد من النقاط على عكس نظيرتها التي حصلت في جدة، حيث ما جمع الأولى هي الحاجة الضرورية للدول الثلاث في مواجهة الهيمنة الأميركية، في حين أن القمة الثانية لم تظهر أي نوع من الانسجام بين المشاركين وأميركا، وهذا برز بصورة أوضح عبر برودة الاستقبال السعودي للرئيس جو بايدن على عكس الاستقبالات السابقة للرؤساء الأميركيين، كما أن جدول أعمال جدة اتسم بفوضى الموضوعات، وهذا مالم تشهده قمة طهران لا بالاجتماعات الثنائية ولا الثلاثية، كما أنه يسجل لقمة طهران أن مخرجاتها تمثلت في اتفاقات ثنائية واضحة وملموسة مثل الاتفاق الروسي الإيراني على استثمار 40 مليار دولار لتوسيع حقول الغاز، وتوقيع طهران وأنقرة على مجموعة اتفاقات، ومنح روسيا لتركيا دوراً في رعاية اتفاق إسطنبول مع أوكرانيا إلى جانب الأمم المتحدة على الرغم من أن مخرجات الثلاثية وخاصة تجاه سورية مازالت فضفاضة وغير ملزمة، أما قمة جدة فلم تشهد اتفاقات واضحة، بل الأكثر من ذلك جاءت مخرجاتها على عكس الأهواء الأميركية الصهيونية ولاسيما فيما يتعلق بإيران والنفط وما سمي بـ«الناتو العربي»، ليس انطلاقاً من استقلالية قرار الدول المشاركة، بل نتيجة تلمسها للمتغيرات الحاصلة في النظامين الإقليمي والدولي وعدم الوثوق بالسياسة الأميركية.

رابعاً- وهي من النقاط المهمة التي تؤكد أن حصول القمتين في المنطقة هو مؤشر على تحول مركز العالم باتجاه الشرق بما في ذلك النظام الشرق أوسطي الذي يعتبر من أهم المجالات الحيوية للعالم إن لم نقل قلبه.

الوطن السورية