تعدّدت الموضوعات التي تناولتها ورشة “الدراما السورية صناعة فكر ومسؤولية مجتمعيّة” والتي عقدتها وزارة الإعلام ولجنة صناعة السينما والتلفزيون مؤخراً، وتناولتْ في معظمها صناعة الدراما والعلاقة بين أطراف هذه الصناعة، بين منتج وكاتب وجهات رسمية وغير رسميّة، والعقبات والصعوبات التي تحول دون قيام صناعة دراميّة حقيقيّة.

وأشارت د. نهلة عيسى – أستاذة الإخراج وسيميولوجيا الصورة في كلية الإعلام بجامعة دمشق، والمخرجة التسجيلية لعدد كبير من الأفلام، وسبق وأن عملت مع كبار المخرجين التسجيليين في مصر – عبر مشاركتها في الورشة، إلى التأثيرات الاجتماعية للدراما وآلية تلقي الجمهور لها، وأهمية التلفزيون وجميع منصّات العرض الأخرى في المجتمع المعاصر، وكيف تحوّلت الدراما التلفزيونيّة إلى ما يُسمّى في لغة الإعلام المعاصر بمناهج التعليم الشعبية وأدلّة تعليم الحياة وأنماطها نتيجة ارتباطها القوي (أو إيهامها بذلك بالظواهر الاجتماعية)، موضحةً أن الجمهور لا يدركُ مدى التعقد الرمزي والنصي للبرامج التلفزيونية عامةً والدراما خاصةً، وهذا أمر يساهم برأيها إلى حدّ كبير أثناء عملية التلقي في طمس الحدود ما بين الواقع والخيال أو الحكاية.

وبيّنت د. عيسى أن المشروطيّة الاجتماعية بالدراما تفترض أن الصور عن الأشياء ليست هي الأشياء، لأن الصور اجتماعياً مرتبة وفق سياق متعمّد ومتقصّد لتحقيق هدف بعينه، لكن الحقيقة هي أن معظم ما يعرضه التلفزيون، بما في ذلك الدراما، يتمّ تلقيه من قبل الجمهور باعتباره واقعاً أو صوراً تسجيلية عن الواقع أو الأحداث الاجتماعية، حيث يتمّ النظر من خلال ذلك إلى الدراما باعتبارها عربة نقل الواقع الاجتماعي، رغم أن كلّ ما يُعرض فيها عبارة عن اقتراحات أو إيحاءات ولكنها تمنح للأشياء أهميّة عند المشاهد، وخاصّةً إذا ما ارتبطت ورؤيته الخاصة للأشياء، وهذا ما يدعوه – برأي د. عيسى – لاستبدال الواقع بما يُقدّم عن الواقع، أي بالعالم غير المشروط مما يؤدي في بعض الأحيان لإصدار أحكام صحيحة عن أمور خاطئة.

وحذرت د. عيسى من أن أخطر ما تتميّز به الدراما التلفزيونية، إضافةً لبلاغة التكنولوجيا، أنها تمتلك الأنواع الثلاثة من البلاغة النصية البصرية، أي بلاغة الإقناع والحجة والبرهان وعلم العمارة، أي البناء والصنعة، والأهم بلاغة الإغراء وتوريط المشاهد لعيش تجربة إنسانية بالاستناد إلى التجارب والاهتمامات المشتركة، مبيّنة أن الدراما السوريّة ساهمت عن قصد أو غير قصد في تشكيل صورة ذهنية سلبية عن المجتمع السوري مهّدت الطريق فيما بعد لتصديق كلّ الأكاذيب التي بثّتها وسائل الإعلام العربية والأجنبية عن الأحداث في سورية، حيث دأبت الدراما السوريّة في السنوات العشر الأخيرة قبل الحرب، في ما سمّته “دراما توثيقية”، على تصوير المجتمع السوري على أنه مزيج من الفاسدين ومستغلي السلطة والقوّادين والداعرات، وأظهرته كبؤرة للطغيان، البقاء فيها للأقوى والأكثر فساداً، ولا أمل لضعيف أو فقير أو شريف في حياة كريمة بين جنباته.. وهذه، برأي د. عيسى، أولى مراحل صناعة المشهديّة التي رافقت الأحداث وطالت البشر والحجر والشجر من خلال الأسلوب الذي قدّمت فيه المعلومات عن سورية، إعلامياً ودرامياً، والذي عمل وفق آلية “دراماتورجيا” تحوّلت في الأحداث إلى ميلودراما تتلاحق فيها المفاجآت وتتقلب الأجواء ويتغيّر الممثلون في خليط عجيب ومضلل من الأنواع الإعلامية المتداخلة، والتي تدور كلها حول نغمات محورية معينة في ظل تغييب المعلومات الحقيقية والواقع الموضوعي عن الشاشة، حيث تمحور الاهتمام حول كيفية سرد الحكاية، خاصّةً وأن مقدّمي المعلومات كان دورهم ليس استجلاء الحدث وتفسيره وتبيانه، بل دفع المشاهدين للغرق في تعقيدات الصور بزعم أنها تنقل التاريخ الإنساني وهو في طور حدوثه.

وأشارت د. عيسى إلى أن المتتبع الجاد لصور معظم الفضائيات العربية والغربيّة على اختلاف مرجعياتها الوطنية والسياسية والاقتصادية سوف يجد أن الكمّ الهائل من الصور التي بثّت عن سورية منذ بداية الأحداث فيها (آذار 2011) يتناقض في العديد من تفاصيله، ليس فقط مع الواقع بل أيضاً مع بعضه، كما سيلحظ التطور الوهمي الخادع لمسار الأحداث، والتوجيه المبرمج أو “القولبة” التي فرضتها وسائل الإعلام العربية والأجنبية على عقول المشاهدين فيما يتعلق بالموقف المأمول منهم تجاه ما سُمّي بـ “ربيع سورية” في إطار من المغالاة الإعلامية والضجيج البصري غير المسبوق عالمياً، بحيث تحوّل الموت في سورية من طقس يستدعي كلّ مشاعر الحزن والجزع الشخصي والوطني إلى مصاب جاهز (تيك واي) في متناول يد مشاهدي العالم دون أن يكون لدى معظمهم أدنى فكرة عمّا يجري ودوافعه والمتورطين فيه بعد أن حوّلت وسائل الإعلام الحدث السوري إلى حكاية شعبية بالمعنى التخيلي للكلمة، فبدت سورية وكأنها سندريلا التي تقاسي من زوجة أب شريرة، وبدا الشعب السوري وكأنه بطل من أبطال أفلام والت ديزني، وكلّ ذلك في إطار العولمة الانفعالية واللهاث البصري التنافسي والمجاراة الإعلامية وتجارة الأخبار والحكايات، بغضّ النظر عن أي مصداقية أو ميثاق شرف إعلامي.

من هنا – برأي د. عيسى – تلاشى الواقع وتلاشت الحقائق من صور التلفزة والإنترنت، وحلّ محلها واقع فائق الواقعية، مصنوع وفقاً لشروط الفرجة التلفزيونية، وأصبح مثل كرة الثلج يتوالد ذاتياً ويتدحرج بعيداً عن الحقيقة الموضوعية قريباً من الحقيقة التلفزيونية وفيه كلّ عوامل الإثارة والتهييج الذاتي.

أمينة عباس - البعث