ميشيل كلاغاصي
 
اثنتا عشر عاماً للحرب على سورية كانت كافية لتعقيد المشهد وإحاطة "الحل السياسي" بهالة ضبابية , يصعب معها التنبؤ بطريقة إنقشاعها , في وقتٍ يشتد فيه انقسام دول العالم واصطفافهم كفريقين أو محورين , على غرار اصطفافهم في الحربين العالميتين (محور, حلفاء) , مع فارق التوافق والتضاد والصراع البيني الداخلي لفريق العدوان على سورية , فيما يؤكد حلفاء سورية يوماً بعد يوم تمسكهم بوحدة أراضيها ودعمهم لسيادتها , ومساعدتها على محاربة كافة التنظيمات الإرهابية والمشاريع الإنفصالية المدعومة من خارج الحدود , ناهيك عن دعمها لطرد قوات الإحتلال الأمريكي والتركي والإسرائيلي. 
تأخرت حكومة العدالة والتنمية , بفهم الأسباب الحقيقية لرفض الولايات المتحدة ما تسمى "المنطقة الاّمنة" التي تحدث عنها الرئيس التركي مراراً وتكراراً , وسط تمسك واشنطن بالبقاء في سورية , والإحتفاظ بنفوذها العسكري ووجودها اللاشرعي , وبقطع حبال الأرحجة التركية وعلاقات أنقرة مع موسكو , بما يؤكد اصرارها على مشروعها الصهيو- أمريكي , الذي تلعب فيه تركيا دور البيدق , وليس دور العقل المفكر وصاحب المشروع العثماني الخاص بتركيا .. وبهدف لجم الجموح والأطماع التركية , لجأت واشنطن تارةً لتهديد تركيا , وللتركيز على معاقبتها إقتصادياً ومالياً وفي قطاع وبرامج الصناعات الحربية المشتركة , ووصلت عام 2016 لقرار الإطاحة بحكم إردوغان , ومحاولة تجميد تركيا على حدود التضخم والأزمات الداخلية , وتوريطها خارجياً بعدة صراعات لم تكن تركيا بحاجة إليها , ولمضاعفة أزماتها وأعداد خصومها وأعدائها ... 
لم يقرأ الرئيس التركي بعناية مصالح بلاده في محيطها الحيوي وموقعها الجغرافي وبعلاقاتها مع دول الجوار في المنطقة والإقليم , وابتلع الطعم الأمريكي منذ ما قبل عام 2011 وحتى اليوم , وخاض معركةً خاسرة ضد سورية في شمالها وشمالها الغربي , وفي المربع الجغرافي والأمني القومي لإيران والعراق وتركيا وسورية , وآن له إكتشاف الخداع الأمريكي , وبأن المخطط الصهيو- أمريكي يستهدف استخدام تركيا المطيعة في خاصرة روسيا وإيران والصين , وليس تركيا المتمردة أو المتأرجحة على حدود دورها الأطلسي , وحرمانها من تنامي علاقاتها الإقتصادية والتجارية والعسكرية مع روسيا وإيران والصين وحتى مع سورية التي تشكل بوابتها للعبور نحو الشرق الأوسط والعالم العربي , وما يمكن أن تحمله تلك العلاقات من مشاريع حيوية بالنسبة لتركيا , تستطيع إنقاذ الرئيس إردوغان في معارك الداخل بمواجهة المعارضة , مع إقتراب الإنتخابات الرئاسية التركية , وسط نتائج السياسات الداخلية الإقتصادية والمالية الفاشلة , وتدهور الحالة الإجتماعية والأوضاع المعيشية , والخشية من اّثار التضخم والبطالة المتزايدين.
ووفق موازين الربح والخسارة , كان على الرئيس التركي قراءة المتغيرات كسقوط الإخوان المسلمين في المنطقة العربية , وغياب الحديث عن إنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي , وسط انشغاله بإسقاط ورقة اللاجئين السوريين من أيدي المعارضة التركية , ما بين تجنيسهم  أوطردهم , أو خديعة مشروع إعادة مليون ونصف منهم إلى بلادهم ووضعهم بعهدة الإرهابيين في بيوت اسمنتية , بما يخدم الترويج لما تسمى "المنطقة الاّمنة" التي لا يزال يتوعد بإنشائها , عبر عملية عسكرية خامسة مزعومة داخل الأراضي السورية.
لا شك أن تهوره وأحلامه وأطماعه العثمانية أعمت بصره , لكن الصمود والإنتصار السوري دفعه وبهمسٍ روسي وإيراني , لإكتشاف أخطائه , وقبوله الترويض السياسي والإغراء الإقتصادي , ليعود إلى رشده , وليكون بقاؤه طبيعياً وفاعلاً في محيطه , وللخروج من سورية قبيل الإنتخابات التركية , التي ستحدد مصيره السياسي دون أدنى شك. 
وفي الاّونة الأخيرة , ازدادت وتيرة تصريحات كل من الرئيس التركي ووزيري دفاعه وخارجيته , حول العمل والتنسيق الإستخباري مع الدولة السورية لمحاربة التنظيمات الإرهابية , لكن هذا لا يعدو أكثر من فقاعة دخانية إذا لم تقترن بالأفعال , وبتحديد تلك التنظيمات بشكل واضح لا لبس فيه , وقد اعتبرها الكثيرون إنعطافة تركية , خصوصاً بعد لقائه الأخير مع الرئيس بوتين في سوتشي , والتي عزاها البعض لضغوط الرئيس بوتين ومطالبته أنقرة بالتقدم نحو دمشق بخطواتٍ ملموسة ومباشرة , لكن هذا لا يستوي مع استمرار الحديث والإستعداد التركي عن الإنطلاقة القريبة للعملية العسكرية التركية المزعومة , مع استمرار عمليات القصف المدفعي على مدينتي الحسكة والقامشلي , وغير مناطق في شرق وشمال البلاد , تحت عنوان محاربة التنظيمات والأحزاب الكردية التي تصنفها تركيا بالإرهابية. 
تبدو مفاعيل اللقاء الثلاثي في طهران , والثنائي في سوتشي , قد أحرجت أنقرة , وأربكت إردوغان , فلجأ إعلامه إلى بث الإشاعات والأخبار عن محادثة هاتفية محتملة بين الرئيسين التركي والسوري , بناءاً على اقتراح الرئيس بوتين , ومع سرعة إنتشارها , بات من المهم إعادة التذكير بتصريحاتٍ تركية العام الماضي , نفتها دمشق جملةً وتفصيلاً وبشكل رسمي , ويبقى الحديث عن "الإنعطافة" التركية موضع شك , لحين صدور ما ينفيها أو يؤكدها من الجانب الحكومي السوري الرسمي , وهو المصدر الوحيد والموثوق لدى السوريين , ويرتبط مباشرة بنهج المصداقية والشفافية للرئيس بشار الأسد. 
من المهم أن يتعقل الجانب التركي ويتحدث عن "الإنعطافة" الحقيقية , ويعيد تقييم الإقتراح السابق للرئيس بوتين حول العودة إلى عام 1997 وما قبل إتفاقية أضنة , كمدخلاً منطقياً لوضع الأساس الصحيح لإبرام إتفاقية أضنة2 , من الأهمية بمكان أن يبحث الأتراك والرئيس إردوغان , عن إمكانية استعادة ثقة السوريين والرئيس الأسد , وهذا يفرض على روسيا بذل جهودٍ نوعية , على أمل إخراج هذه المهمة من إطار المهام المستحيلة. 
تبدو المراهنة حالياً على التصريحات التركية و"الإنعطافة" المزعومة كالمراهنة على "الحمل الكاذب" , مع حقيقة حاجة إردوغان الماسة إلى روافع داخلية لمواجهة المعارضة وإسقاط ورقة اللاجئين السوريين من أيديهم , وإلى علاقات إقتصادية هامة مع طهران وموسكو , تنعكس اّثارها الإيجابية على الحد من التضخم وتدهور الليرة التركية والأوضاع المعيشية للشعب التركي , ولا يمكن للرئيس التركي أن يراهن على فوزه في الإنتخابات , عبر أكاذيب وأضاليل سياسية داخلية وخارجية , وعمليات عسكرية عدوانية إرهابية على الأراضي السورية والعراقية , في وقتٍ اكتفى فيه صاحب "الإنعطافة" في 20 تموز ومن طهران بدعوة الولايات المتحدة " للإنسحاب من مناطق شرق الفرات في سورية ووقف دعمها للجماعات الإرهابية" !! . 
لا يمكن للإحتلال التركي واحتضانه للمجاميع الإرهابية أن يستمرا على الأراضي السورية , فالدولة السورية أعلنت مراراً وتكراراً توصيفها للوجود العسكري التركي في سورية بأنه "عدوان وإحتلال" سافر, بالتوازي مع تأكيد الرئيس بشار الأسد على "تحرير كل شبر" , والخارجية السورية بأن "إدلب هي محافظة سورية" , و"بإحتفاظ سورية بحقها في إستعادة سيطرتها وسيادتها على كامل التراب السوري بكافة الوسائل التي ينص عليها الميثاق والقانون الدولي , بما فيها حق المقاومة" لإنهاء الإحتلال التركي وممارساته العدوانية الإرهابية وعمليات التتريك والتهجير الديموغرافي الممنهج والتطهير العرقي , بالإضافة إلى أعمال السلب والنهب للثروات والمقدرات السورية.
تبدو الإنعطافة الوحيدة للرئيس إردوغان هي بترجمة إنعدام أفق استمرار حربه على سورية , والبحث عن نقاط إلتقاء مصالح بلاده ومصلحة الدولة السورية , وعدم التدخل بالشؤون الداخلية السورية بما فيها الملف الكردي الذي سبق له وحاول نبشه وحلّه بمفرده وبطريقته , على حساب الدولة والشعب السوري , في الوقت الذي يستطيع فيه طرح هواجسه على طاولة الحوار مع الدولة السورية , والتوصل إلى حلول تضمن الأمن وعلاقات حسن الجوار على طرفي الحدود... وإلى حين تعقل إردوغان , لن تتوقف الدولة السورية عن سعيها الدؤوب لتحقيق إنتصارها الكبير , شاء إردوغان أم أبى.