زياد غصن
 
على رغم محدودية قيمة صادراته حالياً، لا يزال قطاع الفوسفات السوري تحت الضوء الخارجي، وذلك لسببَين: الأوّل التعاون السوري - الإيراني - الروسي في عمليات الاستثمار، فيما يتمثّل الثاني في إمكانية تحقيق دمشق إيرادات جيدة من القطْع الأجنبي، في ما لو تحسّنت صادراتها من هذه الثروة.
كَثُر الحديث، أخيراً، في وسائل الإعلام العالمية، عن الفوسفات السوري، لأسباب سياسية صرفة جوهرها محاولة منْع الحكومة السورية من تصدير إنتاجها إلى الأسواق العالمية، والاستفادة تالياً من عائدات القطع الأجنبي المتحقّق، لا سيما أن الجهة المستثمِرة لمناجم الفوسفات - بعد تحريرها من سيطرة تنظيم «داعش» - هي عبارة عن شركات إيرانية وروسية. ولأنّ الدافع كان سياسياً في المقام الأوّل، فإن كثيراً من المعلومات التي جرى تداولها، إمّا أنها غير دقيقة نظراً إلى استقائها من جهات سياسية على خلاف عميق مع الحكومة السورية، أو أنه جرى تضخيمها وتقديمها إلى الرأي العام على أنها كشْفٌ للمستور في ملفّ الفوسفات، في حين أن المتتبّع لمسار هذا الملفّ يَخلص إلى أن مثل هذه المعلومات وغيرها، قد تمّ التطرّق إليها على مستوى الحكومة.
بيانات منشورة
وفقاً للأرقام الرسمية، يبلغ الاحتياطي الجيولوجي السوري من الفوسفات حوالى 1.8 مليار طن، أي ما قيمته تقديريّاً - وفق الأسعار الحالية - أكثر من 100 مليار دولار. وينتشر الفوسفات في عدّة مواقع من بادية تدمر، أهمها: مناجم الصوانة الشرقية وخنيفيس، فيما بدأ استثمار هذه الخامة الباطنية منذ سبعينيات القرن الماضي، عبر خمسة معامل أقامتها الحكومة لتركيزه وغسيله وتجفيفه بغية رفْع قدرته التنافسية. وبالتوازي، أُقيمت وحدة للتحميل في مرفأ طرطوس، مؤلّفة من رصيفَي تحميل، 22 صومعة لتحميل الفوسفات، وأبراج حديثة بطاقة تصديرية سنوية تصل إلى 2.4 مليون طن. كما تم إنشاء سكة حديد لنقل المادة المنتجة إلى مرفأ التصدير. وبحسب البيانات الرسمية أيضاً، وصل إنتاج الفوسفات وتصديره، في عام 2010، إلى حوالى 3.7 مليون طن، صُدِّر منها 2.4 مليون طن عن طريق مرفأ طرطوس، و700 ألف طن برّاً إلى لبنان، إضافةً إلى تزويد معمل الأسمدة في حمص بنحو 600 ألف طن، بغية إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.
يوصف الفوسفات السوري بأنه متوسّط الجودة مع بعض الميزات النوعية الصناعية كونه منخفض التركيز من العناصر والمعادن الثقيلة والضارة. وهو يصلح لجميع الاستخدامات، كصناعة حمض الفوسفور والأسمدة الآزوتية بأنواعها، إلّا أنه يبقى دون مواصفات الفوسفات المغربي، الذي يُعتبر من أجود أنواع الفوسفات عالميّاً. وبذلك، فإن الفوسفات السوري يقارِب إلى حدّ ما، مواصفات الفوسفات المصري والجزائري.
وكما هي حال عمليّات استثمار جميع الثروات والموارد المحلّية، فقد تراجعت كمية الفوسفات المنتَج والمصدَّر اعتباراً من عام 2011، لتصل، في عام 2014، إلى حوالى 1.2 مليون طن، أي بنسبة انخفاض قدْرها حوالى 68%، مقارنةً بعام 2010، ثمّ توقّف الإنتاج بشكل كامل منتصف عام 2015، نتيجة سيطرة تنظيم «داعش» على المناجم وتخريبها وسرقة آلياتها ومعدّاتها الهندسية، إضافةً إلى قيام الطيران الأميركي بتدمير معامل غسيل وتركيز وتجفيف الفوسفات بشكل كامل. وإضافةً إلى التسبُّب بضياع خمسة عقود من تأسيس وتحديث البنية التحتية لعملية استثمار هذه الخامة والثروة الباطنية المهمّة للبلاد، حدثت أضرار هائلة كان من الصعب تجاوزها مع تحرير المناجم منتصف عام 2017، في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعانيها البلاد، والعقوبات الغربية المفروضة على الاستثمار في السوق السورية، فضلاً عن هجرة الكثير من الخبرات الوطنية. فكان خيار دمشق الوحيد المتاح، هو الاستعانة بحلفائها لإعادة استثمار هذه الثروة وتوفير بعض الإيرادات من القطع الأجنبي.
ووفقاً للدراسات الأوّلية، فإن توقيع عقدَين مع شركة «ستروي ترانس» الروسية لاستثمار الفوسفات، كان من شأنه أن يحقّق أرباحاً سنوية بمقدار 81 مليون دولار. لكن يبدو أن مشكلات الإنتاج العديدة وأثَر العقوبات الغربية، حدّا من تلك التوقعات. إذ، وبحسب ما تذكر مصادر في «المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية»، لـ«الأخبار»، «تم البدء بالاستثمار المباشر للفوسفات المكشوف الرطب بالتعاون مع شركة روسية لكمية 4.2 مليون طن، وذلك بالتوازي مع إعادة تأهيل المعامل والبنى التحتية المدمَّرة. كذلك، تم توقيع عقد استثمار وتطوير مع الحكومة الإيرانية لاستثمار وتطوير إنتاج الفوسفات من 3.7 مليون طن إلى 10 ملايين طن سنوياً، من خلال إقامة معامل جديدة للغسيل والتركيز والتجفيف وتطوير سكة الحديد ووحدة التحميل والتخزين في مرفأ طرطوس».
وتضيف المصادر أن صادرات البلاد من الفوسفات «بلغت، لغاية النصف الأوّل من العام الجاري، حوالى 900 ألف طن، بنسبة تنفيذ قدرها 24% من إجمالي المخطّط»، مبرّرة تدنّي نسبة التنفيذ «بعزوف الدول الأوروبية التي كانت تستجرّ الفوسفات السوري، عن شرائه بسبب الخوف من تعرّضها للعقوبات الأميركية والمقاطعة، على الرغم من عدم خضوع الفوسفات لهذه العقوبات، بسبب حاجة الدول الأوروبية إليه في صناعة الأسمدة الفوسفاتية». وتُظهر بيانات المجموعة الإحصائية لعام 2021، والمنشورة أخيراً، أن صادرات البلاد من فوسفات الكالسيوم الطبيعي وفوسفات الألمنيوم الكلسي الطبيعي والطباشير الفوسفاتية المطحونة، سجَّلت، في عام 2020، ما كميّته 622 ألف طن، وبقيمة تقدَّر بحوالى 29 مليون دولار، فيما الإنتاج الوطني من الفوسفات وصل، في العام نفسه، إلى نحو 700 ألف طن تبعاً للمجموعة الإحصائية نفسها. أرقام تجد مَن ينتقدها داخلياً، في ظلّ حاجة البلاد إلى مزيد من القطع الأجنبي لتأمين احتياجاتها من السلع الأساسية المستوردة، والتي غالباً ما يقف عدم توافر القطع عائقاً أمام توفير كميات كافية منها في السوق المحلية.
أسواق تقليدية
تشكّل أسواق أوروبا الوسطى والشرقية الوجهة التصديرية التقليدية للفوسفات السوري منذ بدء عمليات استثماره، لأسباب تتعلّق أساساً بالقرب الجغرافي، وتالياً القدرة على المنافسة السعرية، في حين أن هذه الخامة تفقد ميزتها في أسواق الهند والصين ودول شرق آسيا، بفعل ما يسبّبه البعد الجغرافي من ارتفاع في تكاليف النقل البحري ورسوم عبور قناة السويس. لكن، كما هي الحال مع بقية السلع والمواد التي لم تشْملها العقوبات الأميركية، فإن حذر الشركات الغربية وخوفها من التعرّض لمضايقات اقتصادية أميركية غير معلنة، إضافةً إلى المشكلات المصرفية وصعوبات النقل والتأمين، جميعها عوامل أسهمت في تراجع الصادرات السورية من الفوسفات إلى الأسواق الأوروبية. وحتى عندما يتمّ استيراد بعض الكميات، فإن الرغبة الغربية هي إبقاء الملف بعيداً من الأضواء. وكما تؤكد «مؤسسة الجيولوجيا»، فإن خام الفوسفات «لا يدخل ضمن أسعار بورصة المعادن، ويتم التسعير بعد دراسة الأسعار المعلنة بالنشرات العالمية لمنتجات الأسمدة والخامات باعتبارها أسعاراً تأشيرية، وبخاصة سماد TSP، وما يطرأ من تغيرات على تكاليف ومدخلات هذه الصناعة، حيث يتمّ إقرار الأسعار من قِبَل اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء، وتتمّ مراجعتها دورياً لجهة مدى انسجامها مع الأسعار العالمية، وذلك بالمقارنة مع أسعار الأنواع المماثلة، وبخاصّة الفوسفات المصري والجزائري، وظروف الأسواق وحالة الإنتاج مع مراعاة ظروف المقاطعة الحالية للمنتجات السورية».

الاخبار