أتباع إردوغان وأنصاره يدافعون عن "معلّمهم" دفاعاً مستميتاً، ويقولون إنه "يعرف ماذا يفعل، وأن كل ما يفعله هو تكتيك من أجل الهدف الاستراتيجي للأمة والدولة التركية وأهدافها السامية".

مع ما يسمّى بـ "الربيع العربي"، اعتقد الرئيس إردوغان، بتشجيع من وزير خارجيته أحمد داود أوغلو، بأن الوقت قد حان لإحياء ذكريات السلطنة والخلافة العثمانية بنكهتها القومية التركية، وتمنى أن تجعل منه زعيماً لكل المسلمين والإسلاميين في العالم، بعد أن بايعه "الإخوان المسلمون" العرب منهم وغير العرب.

إلا أن الرياح لم تجر كما اشتهت سفن إردوغان، التي أغرقها صمود الدولة السورية، التي لم تسقط كما سقطت تونس ومصر وليبيا واليمن، وخابت آمال إردوغان "في الصلاة في الجامع الأموي".

كما خابت آماله بإسلاميي المغرب وحزبهم العدالة والتنمية الذي استلم السلطة بشكل سلمي وديمقراطي عام 2011، إلا أنهم انتهوا تماماً بعد 10 سنوات من سماح الملك المدعوم أميركياً وغربياً وإسرائيلياً لهم بالبقاء في هذه السلطة.

وأما في تونس، فقد كان عمر الإسلاميين في السلطة أطول قليلاً مقارنة مع إخوانهم في مصر، التي تدخّل الجيش فيها ووضع حداً نهائياً لتجربتهم "العاطفية"، التي كانت تفتقر لأي برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بل وحتى دينية، ولطالما كانت بشكل مباشر أو غير مباشر في خدمة المشاريع الأميركية والغربية، وهي جميعاً في خدمة الكيان الصهيوني.

وهو ما انعكس سلباً على مجمل مشاريع الرئيس إردوغان ومخططاته، إذ اعتقد أن تحالفه مع آل تميم بملياراتهم سيكون كافياً لضمان زعامته للإسلاميين في المنطقة والعالم، خاصة بعد أن أرسل جيشه إلى قطر لحمايتها من التهديدات السعودية والإماراتية والبحرينية المدعومة من مصر. 

وتطلب منه ذلك الاستمرار في دعمه للإسلاميين بمختلف مجموعاتهم وفصائلهم في سوريا وليبيا وباقي دول المنطقة، إلى أن طلبت واشنطن من حكامها جميعاً أن يلتقوا في قمة العلا، في كانون الثاني/يناير 2021؛ ليمثل كلّ منهم دوره في المسرحية الأميركية الكبرى.

كان ذلك بداية صفقات المصالحة الثنائية والثلاثية والجماعية، التي شملت الرئيس إردوغان، الذي استدرك مبكراً فركب قطار المصالحة والمصالح، رافعاً شعار "البراغماتية" بعد أن عاش عزلته المعروفة، التي وصفها المتحدث باسمه إبراهيم كالين بأنها "عزلة قيمة".

وما كان على إردوغان في هذه الحالة إلا أن يلبي شروط أعدائه السابقين في الإمارات و"إسرائيل" والسعودية ومصر، وفي مقدمتها قطع العلاقة بالإخوان المسلمين، مصرياً وفلسطينياً وعربياً، وليس سوريا وليبيا ما دام الوضع في هاتين الدولتين لا يزال غامضاً.

والسبب في ذلك هو تناقضات حكام الدول العربية الذين يتسابقون في ما بينهم للتطبيع مع "تل أبيب"، وهذا هي حال الرئيس إردوغان الذي كان على اتصال دائم بالرئيس هرتسوغ ورئيس الوزراء السابق بينيت والحالي لابيد، واتفق وإياه الأسبوع الماضي على تبادل السفراء، بعد قطيعة دامت أكثر من 14عاماً.

وكانت تصرفات إردوغان هذه سبباً كافياً للمعارضة لتوجّه إليه اتهامات "بالتخلي عن عقيدته ومبادئه"، وهو ما "ألحق الضرر بسمعة الأمة والدولة التركية وشرفها وكرامتها بعد أن توسّل إردوغان حكام الإمارات و"إسرائيل" والسعودية ومصر كي يصالحوه".

واتهمت قيادات المعارضة إردوغان "بتقديم التنازلات كافة للحكام المذكورين مقابل حفنة من الدولارات التي يريد لها أن تساعده في مواجهة تبعات الأزمة المالية الخطيرة التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس"، على حد قول وزير الاقتصاد الأسبق، علي باباجان، وهو الآن زعيم حزب "الديمقراطية والتقدم" المعارض لإردوغان.

واتهم باباجان وآخرون من قيادات المعارضة الرئيس إردوغان "بالحصول على قروض مالية بشروط مجحفة من الإمارات والسعودية بعد المصالحة معهما"، وأنه يتمنى لـ"تل أبيب" أن توصي منظمات اللوبي اليهودي المؤثرة في المؤسسات المالية الأميركية والأوروبية بتقديم المساعدات المالية العاجلة لتركيا، حتى يتسنى لها مواجهة مخاطر الأزمة المالية المعقدة.

ودفعت الرئيس إردوغان، والقول للمعارضة، أن "يطرق أبواب الرئيس بوتين الذي اختلفت المعلومات بشأن حجم دعمه المالي له مقابل مصالحته مع الرئيس الأسد، والتخلي عن دعم المعارضة، والانسحاب من الشمال السوري".

وقدّرت أوساط المعارضة قيمة هذه المساعدات بـ 10 مليارات دولار وصلت إلى خزائن المصرف المركزي، من دون أن تكون كافية لتغطية العجز في احتياطيات المصرف وقدّرها البعض بـ 60 مليار دولار.

المعارضة التي قالت "إن إردوغان أمر في تشرين الأول/أكتوبر 2018 بإخلاء سبيل القس الأميركي برونسون، بعد تهديدات الرئيس ترامب له، كما أمر في شباط/فبراير 2018 بإخلاء سبيل الصحافي الألماني دانيز يوجال بعد اتصال هاتفي بالمستشارة الألمانية ميركل، وكان اتهم برونسون ويوجال بالتجسس والإرهاب والعمالة. 

وتوقعت المعارضة للرئيس إردوغان "تقديم المزيد من التنازلات، ليس فقط بسبب الأزمة المالية فحسب، بل أيضاً لضمان استمراره في السلطة بعد الانتخابات في أيار/مايو القادم".

وبحسب كلام قيادات المعارضة فإن إردوغان "مستعد للتخلي عن عقيدته ومبادئه بما أن الغاية تبرر الوسيلة، وهي في هذه الحال أولاً المليارات من الدولارات، وثانياً السلطة التي تعني في نهاية المطاف المزيد من الدولارات"، وما انفكت المعارضة تتهمه بقضايا فساد تورط فيها هو وعائلته والمقربون منه وزاد حجمها على مئات المليارات من الدولارات.

تخلي إردوغان عن عقيدته ومبادئه وتقديمه كل التنازلات لأعدائه السابقين، وأهمهم حكام "إسرائيل"، الذين سبق أن أجبروه على إغلاق ملف سفينة مرمرة مقابل 20 مليون دولار تبرعت بها "تل أبيب" لعائلات الضحايا، يبدو أنه لم يكن كافياً لتخلي حلفائه الإسلاميين عنه.

وهذا هي حال الإسلاميين في ليبيا وسوريا وتونس ومصر وحماس وغيرها من مناطق العالم، كما هي الحال بالنسبة إلى الداخل التركي. فأتباع إردوغان وأنصاره يدافعون عن "معلّمهم" دفاعاً مستميتاً، ويقولون إن "إردوغان يعرف ماذا يفعل، وأن كل ما يفعله هو تكتيك من أجل الهدف الاستراتيجي للأمة والدولة التركية، وأهدافها السامية".

وهو الكلام الذي لم يعد يقنع البعض من أتباعه، وهذا ما تثبته استطلاعات الرأي التي تتوقع لشعبية إردوغان أن تتراجع إلى ما دون 30%، ومن دون أن يؤثر ذلك في شعبيته بين الإسلاميين العرب وغير العرب، بعد أن أصابهم "العمى العقائدي"، فتمسكوا به على الرغم من تخليه عنهم، كما تخلى الجميع عنهم، وهي حال واشنطن التي قالت لهم جميعاً بكل أطيافهم وميولهم، معتدلين ومتطرفين، "لقد انتهى دوركم الآن فاسكتوا، وانتظروا التعليمات الجديدة".

الميادين