المهندس: ميشيل كلاغاصي


 لأنها ترفض إنهيار "مجدها" وهيمنتها وسيطرتها على عالمها الأحادي , وترفض الواقع والعصر الجديد والتعددية القطبية , ودفعت بـ نانسي بيلوسي نحو تايوان في زيارةٍ هيستيرية غير محسوبة النتائج , همّها إقلاق راحة الصين , ودفعت بتايوان نحو مصيرٍ مشابه لأوكرانيا , بعدما جيشت الناتو والإتحاد الأوروبي والعصابات والمتطرفين , وجميع الرؤوس الحامية لقتال روسيا وحصارها وتدمير إقتصادها ومعاقبتها , ووضعت مصير ومستقبل أوروبا بيد المتطرفين والإرهابيين الأوكران وغيرهم , ودفعت بكافة الأزمات لتنهش كافة دول العالم , من أزمة الطاقة والغاز إلى الأزمة الغذائية , وأزمات الصحة والمواد الطبية وغيرها , وحرضت ربيبتها "إسرائيل" على إرتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين في غزة ، وإلى استمرار إعتداءاتها الإستفزازية المتكررة على الأراضي السورية , , ولعرقلة المفاوضات النووية مع إيران , ومضاعفة التوتر والتصعيد في المنطقة , وحشدت بعض العرب لحشرهم في خنادق القتال والمواجهة مع إيران ...
ومع ذلك ، وبفضل الصبر والحكمة الإيرانية , لا تزال فرصة العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة , والتوصل إلى إتفاقٍ جديد قائمة , لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة للإتفاق وللسلام في المنطقة والعالم.
وفي ظل التصريحات الإيجابية من كافة الأطراف المعنية بالتفاوض , تبدو الفرصة متاحة للتوصل للإتفاق , خصوصاً بعدما تقدم مسؤول السياسة الخارجية في الإتحاد الاوروبي جوزيب بوريل بمقترحات جديدة , على أن تتم دراستها من قبل طهران وواشنطن , وتقديم ردودهما عليها , وبالفعل تقدم الجانب الإيراني برده , الذي رأى فيه كلاً من ليانوف وبوريل أنه رد "معقول", في حين تأخر الرد الأمريكي , ما دفع طهران لإتهام واشنطن "بالمماطلة".
ووفقاً لما صدر عن كافة الأطراف المعنية بالإتفاق , وما تناولته وسائل الإعلام من تسريبات , يتأكد أن الإتفاق – الصفقة , بات واضح المعالم , لجهة خطوطه العريضة ومدده الزمنية , التي تسمح بإمكانية التحقق من تنفيذ الإلتزامات , ويمنح فترة 60 يوماً لإقرار الإتفاق , تليها 60 يوماً أخرى لرفع العقوبات عن 17 مصرفاً و150 مؤسسة إقتصادية إيرانية , بالتوازي مع الإفراج عن 7 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية , ومنح إيران فرصة تصدير 50 مليون برميل من النفط خلال الـ 120 يوماً الأولى.
كذلك , وافقت الولايات المتحدة على بقاء أجهزة الطرد المركزي في إيران , في مستودعاتٍ تحت الأرض , بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية , دون أن تقدم طهران للوكالة أية أجوبة عن نشاطاتها , على أن يتم تسليم كميات اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا , بإعتبارها إحدى الدول الضامنة للإتفاق النووي.
وقد لوحظ تضارب للأنباء التي تحدثت عن رفض واشنطن رفع الحرس الثوري عن لائحة الإرهاب الأمريكية , أو عن تأجيله إلى مفاوضات لاحقة , لكنها طالبت بضمانات تتعلق بنشاطات الحرس الثوري (الإرهابية) , والإمتناع عن "الإنتقام" لجريمة إغتيال الشهيد قاسم سليماني , وسط تأكيد المتحدث بإسم الوفد الإيراني المفاوض محمد مرندي لقناة الميادين أن "حذف حرس الثورة من لوائح الإرهاب الأميركية لم يكن شرطاً في مباحثات فيينا"... في وقتٍ تتجاهل فيه واشنطن مكانة أنشطة الحرس الثوري الإقتصادية والعلمية , ناهيك عن دوره الدستوري في الدفاع عن تراب وسيادة ومصالح جمهورية إيران الإسلامية , بالإضافة إلى الإصرار والدعم الحاسم الذي يبديه الرئيس إبراهيم رئيسي لموقف الوفد الإيراني , في ظل حكمة ودعم المرشد الإيراني الأعلى , صاحب الوعد بالإنتقام لدماء الشهيد والبطل القومي قاسم سليماني , ومكانته القومية والروحية في قلوب ملايين الشعب الإيراني. 
ويبقى من المهم أن تبحث إيران عن الضمانات الحقيقية لعدم تراجع أوإنسحاب أي رئيسٍ أمريكي قادم من الإتفاق , وهذا ما لن تستطيع إدارة بايدن تقديمه , بإعتبار أن الإتفاق سياسي , وليس وثيقةً قانونية يمكن أن تخضع للقانون الدولي , ويبقى السؤال هل تكفي الغرامات والتعويضات والعقوبات في حالة حصول ذلك مجدداً؟ .
تبدو الكرة الاّ ن في الملعب الأمريكي , التي تبحث إدارتها الديمقراطية الحالية والرئيس جو بايدن , عن إنتصار من أي نوع , مع اقتراب الإنتخابات النصفية , وسط الهزائم الأمريكية المتتالية , وفشل حملة "شيطنة إيران" وأقله في منطقة الخليج , مع انطلاقة جديدة للعلاقات الطبيعية والجيدة مع السعودية والإمارات , فضلاً عن علاقاتها الجيدة أصلاً مع باقي الدول , الأمر الذي يعري ويعزل حكومة الكيان الإسرائيلي المؤقت بإعتراف وزير دفاعها بأننا: " بقينا وحدنا في المعركة ضد إيران" , وقد عبرت الحكومة الإسرائيلية عن إستيائها من الإتفاق , ووصفته بالـ "سيئ" , ورفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي  يائير لابيد وأعلن "معارضته وعدم التقيد به" , وسط زيارة مرتقبة لمسؤول الأمن القومي الإسرائيلي إيال حولاتا إلى واشنطن , ووسط الإشاعات والتصريحات الطائشة والتهديدات الإسرائيلية , قبيل تقديم واشنطن لردها على مسودة الوثيقة النووية.
على الرئيس بايدن إدراك أن عدم حماسة بلاده لتوقيع الإتفاق , وتأخير ردها على مقترحات بوريل أو رفضه , سيجعله يدفع الثمن في انتخابات الكونغرس القادمة في نوفمبر/ تشرين الثاني , وسيتحمل مسؤولية حصول إيران على كافة مطالبها في الإتفاق حتى إن لم يوقعه , وسيمنح خصمه اللدود المتربص للعودة دونالد ترامب فرصة ذهبية , وهو الذي مزق الإتفاق وانسحب منه.
وسط إعلان المفوضية الأوروبية عن احتمالية عقد اللقاء الإسبوع القادم في فيينا , هل يفعلها الرئيس بايدن , ويتخذ القرار الصعب لتغيير السلوك الأمريكي , ويوقع الإتفاق النووي الجديد , ويضع نقطة البداية لعلاقاتٍ أمريكية – إيرانية يكون عنوانها السلام والتعاون على حل القضايا الشائكة في المنطقة والعالم , والإتكاء على دور إيران وحلفائها في القضاء على تنظيم "داعش" الإرهابي , ومنح الرئيس بايدن الفرصة التي حلم بها سلفه ترامب بإعلان الإنتصار على التنظيم الإرهابي , وبدفع الحلول السياسية في سوريا والعراق , ومعالجة الملف الروسي – الأوكراني – الأوروبي وتداعياته في عهده , وينهي حياته السياسية الطويلة كرجل سلام , على أمل أن يتجاوز العالم الشرور التي شارك بالتخطيط لها وبتنفيذها على مدى عقود.