ميشيل كلاغاصي
 
يبدو أن الفأس وقعت في الرأس , ولا زالت أزمة الطاقة الحالية في أوروبا تلقي بظلالها المخيفة على دول الإتحاد الأوروبي , وسط التوقعات بإزدياد حجم وعدد المشاكل التي تواجه أوروبا والأوروبيين الذين باتوا يخشون البرد والصقيع والتجمد في الشتاء الأوروبي الذي يكاد يحل مسرعاً ومكلفاً للغاية هذا العام , بالتوازي مع التغيرات المناخية وتسجيل نسب الجفاف المرعبة , الأمر الذي يبشر بغموض حالي ومستقبلي , طالما تستمر الرؤوس الحامية في حربها على موسكو بدون رؤى وبلا اّفق , مع استمرار تدفق أموالهم وأسلحتهم نحو أوكرانيا.
تأخر الأوروبيون في إعلان الغضب والتمرد على حكوماتهم التي أقحمت نفسها في حل لغز "الغزو والإرهاب الروسي" بهمسٍ أمريكي صريح , فأهملت شعوبها ومصالحهم , وزجت بهم في أتون الأزمات المالية والإقتصادية , والغذائية والصحية والمعاناة. 
لم يعد بإمكان الإتحاد الأوروبي والحكومات الأوروبية تجاهل السخط والإستياء الشعبي , الذي ترصده وسائل الإعلام بشكلٍ يومي , وقد وصفه الإعلام الألماني على أنه "رعبٌ حقيقي" , بعدما أثبتت خطط المستشار شولتز فشلها , وبحسب الإستطلاع الذي أجراه معهد "إنسا" في 19/اّب , تبين أن حوالي 60٪ من المواطنين الألمان , أبدوا استياؤهم من سياسة شولتز والإئتلاف الحاكم , وكذلك رغبتهم واستعدادهم لتغيير الحكومة , بما يؤكد تراجع شعبية شولتز بسبب سياسته تجاه أوكرانيا ، وعدم إلتزامه بالمصالح الألمانية الوطنية , في قضايا الغاز والعلاقات مع روسيا , كما يعتبرون أن سياساته أدت إلى خراب ألمانيا , وسط تعرضه إلى عشرات الإنتقادات , وبشكل مباشر أثناء خطابه في براندنبورغ ، وإلى صيحات الإستهجان وللهتافات المخزية "خائن الشعب" ، "كاذب" , "هيا اخرج". 
في هذا السياق ، أشارت بعض وسائل الإعلام الألمانية إلى أن شولتز قد يواجه الإستقالة , رغم تمسكه بالسلطة , بدليل تأكيده للصحفيين في 22/ اّب , بأنه "لا يرى حاجة لتغيير إلزامي للمستشار في ألمانيا ولا يوجد سبب لتقييد فترة عمله" ، ما يؤكد قلقه الواضح للحفاظ على وضعه الحالي.
في الوقت الذي يواصل فيه القادة الأوروبيين في ظل تفاقم أزمة الطاقة , تنفيذ تعليمات ورغبات واشنطن بإستمرار سياسة العداء لروسيا , والضغط وتقييد دخول الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية ، في حين يحاولون عبثاً إيجاد البدائل من غير دول , الأمر الذي فرض منافساتٍ غير مسبوقة في أسواق الغاز العالمية , وإرتفاعاً في اسعار الطاقة , أثر على جميع الدول حول العالم , وحرم الدول النامية والفقيرة من الحصول على احتياجاتها من الطاقة.  
إن التحركات والزيارات التي قام بها القادة الأوروبيين نحو عدد من الدول المنتجة للطاقة والغاز , بهدف تأمين المصادر البديلة للغاز الروسي , لم تأت بنتائج مهمة حتى الاّن , فيما أطلق بعضهم العنان لأفكارٍ خيالية , أو بغير ذات جدوى وفائدة , فإتجهت الأفكار نحو حث بعض الدول كالنروج على بيع الغاز بأقل من أسعار السوق , فيما فشلت محاولات زيادة الإنتاج في عدد من الدول المنتجة , كذلك أعاد بعض الأوروبيين طرح الأفكار حول إستثناف بناء خط أنابيب "ميديكا" الذي يربط أوروبا الوسطى بشبه الجزيرة الإيبيرية , وسط تشكيك فرنسي في إمكانية نجاح هذه الفكرة. 
في وقتٍ انفردت فيه الحكومة الألمانية منذ شهر اّذار المنصرم , بتعليق اّمالها وتفاؤلها على إبرامها صفقةٍ طويلة الأمد مع قطر لتوريد الغاز المسال , لكن زيارة وزير الإقتصاد الألماني روبرت هابيك إلى قطر في اّب الحالي بددت أحلامه , بعدما قررت قطر إمداد إيطاليا بالغاز بدلاً من ألمانيا , الأمر الذي دفع شولتز لطرق أبواب كندا , لكن ما أعلنه رئيس وزرائها جاستن ترودو , بأنه : "لا توجد طريقة لمساعدة أوروبا في إمدادات الطاقة" , كان صادماً للمستشار الألماني , على الرغم من إدراكه صعوبة تصدير الغاز المسال من كندا عبر ساحلها الشرقي بسبب وعورته , وعدم إمتلاك كندا بنى تحتية لتصديره , ويتطلب إنشاؤها من 3-4 سنوات , الأمر ذاته ينسحب على الجانب الألماني , ويجعلها بحاجة للإعتماد على بلجيكا وفرنسا وهولندا. 
وهذه الصعوبات تطرح السؤال , لماذا ذهب شولتز إلى كندا إذن , وهو الذي ترك خلفه قيوداً حكومية تفرض على المواطنين الألمان التقشف , والتوصيات بتدفئة غرفة واحدة في المنزل , وكل ما من شأنه توفير الطاقة , بما في ذلك الإستغناء عن الإستحمام , والإكتفاء بالمناشف , بحسب اقتراحات صديقه وينفرد كريتشمان رئيس وزراء ولاية بادن فورتمبرغ الألمانية!.
من الواضح أن التعنت والعناد والتبعية لإملاءات الولايات المتحدة الأمريكية , تدفع قادة الإتحاد الأوروبي نحو تكثيف البحث عن الطاقة , وتعزيز الحوار مع بلدان الجوار فيما يتعلق بالأمن الطاقي واصلاح سوق الطاقة والنهوض بالطاقة المستدامة ومصادر الطاقة المتجددة , عبر التخطيط الجيد للتخلي النهائي عن النفط والغاز والفحم الروسي بحلول عام 2027 , وبحسب المفوضية الأوروبية , فإن كميات الغاز التي تحصل عليها أوروبا من روسيا سيتم استبدالها , من خلال انخفاض الكربون والطاقة المتجددة وتوفير الطاقة ، وبأن الإتحاد الأوروبي سيلجأ للإعتماد على خططٍ طارئة لتقليص الصناعات غير الأساسية في أوروبا , ناهيك عن وضع الخطط لتمويل البنى التحتية لإستيراد النفط بعيداً عن المصادر الروسية.
 وبحسب وكالتي أسوشييتد برس و رويترز, فقد ملأت فرنسا 90 بالمئة من مخزونها من الغاز لمواجهة الشتاء ، وهي في طريقها نحو تخزينٍ كامل بحلول تشرين الثاني , ما يعني ضمان 25٪ من استهلاكها السنوي , فيما ملئت ألمانيا 81,07 ٪ من مخزونها الإستراتيجي , والبرتغال 100 ٪ وبولندا 99.56 ٪ والسويد 90.8 ٪ والدنمارك 93.76 ٪ , في حين بقيت أكثر من 21 دولة أوروبية عند نسبة ملء لا تتجاوز الـ 50 ٪ حتى اليوم. 
إن الإعلان عن نسب التخزين الحالية للدول الأوروبية لا يعني تحقيقها النسب المكافئة لحاجاتها السنوية , وهذا بدوره يؤكد وقوعها في الفخ الأمريكي تحت عنوان معاقبة وقتال وحصار وتدمير الإقتصاد الروسي , ليس من أجل حكومة كييف المتطرفة , وكرمى لعيون زيلنسنكي , بل للإحتفاظ بغرفةٍ أوروبية في بيت الطاعة الأمريكي , بدون استحمام والإكتفاء بمنشفة.