بقلم : وسيم سليمان 

أخذ خبر توقف تصدير الغاز الروسي مفاعيل كبيرة وتصدر عناوين الأخبار العالمية، وانتشرت أصداؤه وتغلغلت داخل شرايين الاقتصاد الأوروبي كالنار في الهشيم، لكن الحدث هذه المرة لا يسبب أي حروق، بل العكس تماما، الموضوع مرتبط بالبرد، نسمات قرر قادة أوروبا التنعم بها خلال الشتاء القادم بتفعيل سلسلة إجراءات لم يتوقعوا أبدا نتائجها عند بدئها قبل أشهر.
علقت وكالات غربية على بيان شركة "غازبروم" الروسية الذي اتخذته قبل ساعات، حيث أكدت من خلاله وقف ضخ الغاز الروسي إلى أوروبا عبر "التيار الشمالي 1" نتيجة وجود أعطال في التوربينات، حيث تم رصد تسرب زيت أثناء عمليات الصيانة التي تشرف عليها شركة "سيمنز".
لكن الوكالات الغربية كان لدها آراء أخرى، حيث أكدت وكالة "بلومبرغ" في مقالها الذي حمل عنوان "غازبورم توقف الغاز.. ضربة الساعة 11 لأوروبا" أن هذه الخطوة، والتي أتت قبل "موعد إعادة ضخ الغاز المخطط، وتدفع المنطقة (أوروبا) خطوة أقرب إلى انقطاع التيار الكهربائي والتقنين والكساد والركود الحاد".
وعلى الرغم من تقديم شركة "غازبروم" تفاصيل دقيقية عن المشكلة الفنية وتوجيه طلب مباشر بالإصلاح إلى شركة "سيمنز" إلا أن الوكالة نقلت عن الاتحاد الأوروبي تصريحات اعتبر فيها أن الشركة الروسية "تتصرف بناء على ادعاءات كاذبه"، بحسب مزاعمه، من دون النظر إلى عدم قدرة شركة "سيمنز" ذاتها على القيام بالتزامتها التعاقدية بشكل دقيق بسبب العقوبات.
تهديد بالمزيد من الاضطرابات الاقتصادية والذعر
وبدورها، أشارت صحيفة " independent"، التي قالت إن الدول الأوروبية "أصيبت بالذعر" نتيجة القرار، أشارت إلى أن "الاستجابة السريعة لروسيا ستؤدي إلى زيادة التوترات وبأن تصبح الطاقة أحدث خط أمامي لمعركة بالوكالة بين موسكو ومنافسيها الأوروبيين"، لكن الوكالة لم تشر إلى أن هذه المعركة المزعومة بدأتها دول الاتحاد الأوروبي ذاتها بفرض سلسلة من العقوبات، وكأن هذه المعارك يجب أن تخاض "بسلاح" من طرف واحد فقد، أي من جهة أوروبا وأمريكا، علما أن أمريكا حاربت "التيار الشمالي 1" قبل العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا.
 واعتبرت "بلومبرغ" أن ما حدث "ضربة قوية لأوروبا، التي تسعى جاهدة لخفض اعتمادها على الغاز الروسي قبل الشتاء، وكانت تنتظر خطوات موسكو التالية في حرب الطاقة. بينما تحاول القارة تنفيذ تدابير لتجاوز فصل الشتاء، فإن الإغلاق غير المحدود لخط الأنابيب هو تصعيد يهدد بمزيد من الاضطرابات الاقتصادية"، وهي اضطرابات حقيقية بدأت تظهر في بعض بلدان القارة الأوروبية، بل بدأت تسمع بعض الأصوات السياسية في ألمانيا ناشدت بضرورة الحوار مع روسيا وتجميد الأزمة في أوكرانيا.
وقال سيمون تاغليابيترا من مؤسسة "بروجيل" في بروكسل، إن "هذا الإعلان مجرد مؤشر آخر على أنه بين القضايا الفنية والخلافات المتعلقة بالعقود، فإن الشتاء بدون غاز روسي هو السيناريو المركزي لأوروبا"، زاعما أن الرئيس الروسي فلادمير بوتين "يسعى لضرب أوروبا حيث يكون ذلك أكثر إيلاما"، بحسب ادعاءاته، لكنه لم يتحدث عن قرار مجمعة السبع المتخذ قبل ساعات بشأن وضع حد لسعر النفط الروسي، والذي قد يؤثر سلبا أيضا على اقتصاد أوروبا.

مع ارتفاع الأسعار أربع مرات عما كانت عليه قبل عام، أدت أزمة الغاز بالفعل إلى إغلاق الصناعة الأوروبية وتقويض اليورو.
"بلومبرغ": الحدث يضعف أوروبا بسبب أوكرانيا
واعتبرت الوكالة أن هذا "التصعيد الدراماتيكي في أزمة الطاقة في أوروبا يأتي في الوقت الذي كانت فيه الأسعار تتراجع". مشيرة إلى أنه "إذا استمر الإغلاق (خط الغاز)، فإنه يعرض الأسر والمصانع والاقتصادات الأوروبية للخطر، مما يضعف سيطرة أوروبا لأنها تدعم أوكرانيا في الحرب ضد روسيا".
ونقلت الوكالة عن مذكرة نشرتها شركة "Wood Mackenzie Ltd"، اليوم الجمعة، جاء فيها "قد يؤدي الشتاء البارد في أوروبا وآسيا إلى انخفاض المخزونات من 31٪ إلى 4٪ بنهاية الشتاء". وأضافت "في حالة حدوث مزيد من الاضطراب في التدفقات الروسية، هناك خطر نفاد المخزونات بنهاية مارس/ آذار".

خياران وحيدان.. إهمال لخط ثالث "أكثر حيوية"
وعلى الرغم من أن الوكالات الغربية قد أشارت إلى أن توقف "التيار الشمالي 1"، الذي يمتد تحت بحر البلطيق إلى ألمانيا، لن يترك سوى طريقين رئيسيين لتزويد الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، أحدهما عبر أوكرانيا ويتعرض أيضا لتقطع بالتدفقات بسبب أوكرانيا و"وترك ستريم" عبر البحر الأسود، إلا أنها أهملت وجود خط جديد آخر مجاور تماما لخط "التيار الشمالي 1".
اقرأ أيضا: هناك من يعمل على إشعال فتيل حرب عالمية ثالثة... "الملاك الأول ظهر... نهاية العالم لم تأت بعد"
وتتجنب الصحف الحديث عن إمكانية الضخ عبر "التيار الشمالي 2" والذي دعا الرئيس البولندي بشكل غريب إلى تفكيكه، الذي أوقف على خلفية العملية العسكرية الروسية، بضغط أمريكي واضح ومباشر، حيث منح الأوروبيون إمكانية سحب الغاز من الخط الأول القديم ومنعوا أو منعوا أنفسهم، والأولى أصح، من استخدام "التيار الشمالي 2"، في مشهد سريالي غريب، على الرغم من أنها تقدم نفس الأداء، هي في نهاية المطاف أنابيب بحرية لنقل الغاز.

فصام واضح في خلجات التغريدات
الأمر الأكثر غرابة في الوقت الحالي والذي يمكن ملاحظته من خلال تتبع تصريحات السياسيين الأوروبيين، هو التناقض الشديد والواضح ضمن تغريدات أو التصريحات ذاتها، حيث يتحدث هؤلاء بشكل مستمر عن سعيهم الدؤوب لوقف استيراد الغاز والنفط الروسيين، سواء في المؤتمرات والتصريحات الإعلامية وغيرها، وفي ذات الوقت توجيه الإدانات لأي إغلاق ناتج عن العقوبات.

بالإضافة إلى ذلك، يوجه قادة أوروبا "سلسلة من التهم" المزعومة إلى روسيا، حول الأضرار الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وارتفاع الأسعار والركود الاقتصادي، فيما يتخذون قرارات "بتوجيهات أمريكية" بوضح حد لسعر النفط الروسي، وكأن هذه السلع يمكن تحديد أسعارها عن طريق القرارات وبعيدا عن الأسعار العالمية في كوكب "عطش" لمصادر الطاقة، الأمر الذي قد يدفع روسيا بشكل طبيعي لإيجاد منافذ تصير أخرى بعيدة عن أوروبا نفسها بسبب وجود بدائل أفضل في جميع أنحاء العالم، فكوكب الأرض لم يخلق بقارة واحد، وعلى الرغم من أن العلماء اختلفوا حول عدد قارات الأرض (5 أو 6) إلا أنهم أكدوا أن أقلها من ناحية التعداد السكاني هي أوروبا، أي سلعة الطاقة يبحث عنها الكثيرون خارج جدران القارة العجوز.
المقال يعبر عن رأي الكاتب.

سبوتنيك