ميشيل كلاغاصي 

 

منذ تفاقم الأزمة الأوكرانية , وبداية العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا , دأب قادة الدول الأوروبية والإتحاد الأوروبي على إلقاء اللوم ومسؤولية الإخفاقات ونتائج السياسات الأوروبية الفاشلة على الرئيس بوتين و"غزوه" لأوكرانيا , وما صاحب ذلك من تداعيات مباشرة على إرتفاع أسعار الغاز والطاقة وشحها , والصعوبات التي يعانيها الأوروبيون لتأمين احتياجاتهم قبيل حلول فصل الشتاء .. 

 مالذي يدفع القادة الأوروبيون لإلقاء اللوم والمسؤولية الكاملة والمباشرة على روسيا ؟ ومالذي يدفعهم إلى التخلص من سيطرة روسيا على أسواق الغاز والطاقة وهي ثاني أكبر المنتجين في العالم , وتهديد مصالحهم وصناعاتهم , والأمن الغذائي والصحي لشعوبهم , ولا يدفعهم إلى التخلص من الهيمنة الأمريكية وإملاءاتها على سياساتهم الخارجية , وتدخلها بشؤونهم الداخلية وانتخاباتهم الرئاسية.  

لا يمكن النظر إلى ما يحصل على أنه غباء ذاك الرئيس أو قرارات تلك المفوضية , بالتأكيد "هم يدرون ما يفعلون" , وهذا بدوره يدفعنا إلى السؤال , هل يملكون مشروعاً خفياً أو بديلاً أو طموحاً مختلفاً , هل نجد بعض الأجوبة لدى "الإشتراكي الديمقراطي" شولتز أو روبرت هابك وزير الإقتصاد وممثل حزب "الخضر" في الحكومة الألمانية ، أو لدى نائب رئيس المفوضية الأوروبية للطاقة الخضراء ، فرانس تيمرمانس , الداعم الأول للإعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتكاليفها المنخفضة بالمقارنة مع تكاليف بناء محطات الطاقة النووية , بالإضافة إلى الأفكار التي لا ينفك الرئيس إيمانويل ماكرون طرحها , حول مصادر البديلة كالفحم والطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والنفط والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الشمسية. 

هل تأتي مواقف الأوروبين والإتحاد الأوروبي , في سياق خطةٍ ومخطط يعتمد على إستبدال مصادر الطاقة التقليدية الحالية , بالمصادر البديلة , ماذا عن مشروع "إعادة التعيين الكبرى" الأممي لعام 2030 , وأهدافه حول ماهية الطاقة واستخداماتها في مستقبل الكوكب , والذي جاء في مقدمة جلسته العامة التي عقدت في 25 أيلول/ سبتمبر 2015 , بالتعريف عنه كخطةٍ وبرنامج عمل لأجل الازدهار , وتعزيز السلام العالمي في جو من الحرية ,  كذلك تضمنت تأكيداً أممياً على الإلتزام بحقوق الإنسان في "عالمٍ تكون فيه الموائل البشرية آمنة وقادرة ومستدامة , ويمكن فيه للجميع الحصول على طاقة ميسورة وموثوقة ومستدامة". 

إن علاقة الولايات المتحدة مع أهم الدول المنتجة والمصدرة للغاز والنفط , لم تشهد إستقراراً وثباتاً على المدى البعيد , فهي تقوى وتضعف , وتُرصد فيها الإنقلابات أو الإغتيالات , وتضطر واشنطن في بعض الأحيان للإنصات أو الإذعان لقادتها كما حصل مع فنزويلا والرئيس مادورو , فمن محاولة إغتياله إلى دعم غوايدو والمعارضة , إلى شراء النفط الفزويلي , وتقبّل صعود محمد بن سلمان إلى سدة العرش السعودي رغم الوعيد بمحاسبته في قضية مقتل جمال الخاشجقي , بالإضافة إلى استقطاب أعداء روسيا على مساحة أوروبا وفي محيطها الأرواسي , كذلك الدعم الذي مكن الرئيس ماكرون من الفوز بولاية ثانية , وضمان وصول أولاف شولتز والوزير روبرت هابك إلى السلطة في ألمانيا , بالإضافة الحضور الكبير للعام 2030 على لسان عديد القادة حول العالم , وهذا لا يبدو من باب الصدفة.  

إن مشروع الحرب على روسيا والغاز والنفط الروسي , احتاج إلى ماكرون للعب دور البطولة , كمروّج ومنتقم لتمزيق إتفاقية باريس للمناخ , وكزعيم أوروبي أكثر منه فرنسي , وإلى بضعة ممثلين أشرار كـ  ينس ستولتنبرغ , وجوزيب بوريل , و أورسولا فون ديرلاين , وإلى أولاف شولتز كقائد أوربي من وراء الكواليس , يمثل مركز وثقل القارة الأوروبية , وإلى المهرج والمتطرف النازي فولوديمير زيلينسكي , وهؤلاء جميعاً يعملون تحت قيادة المخرج الأمريكي , منذ العام 2014 , وبإعتراف السيناتور ريتشارد كلارك بأن الجيش الأمريكي "عمل على إعداد وتدريب قوات العمليات الخاصة الأوكرانية للحرب مع روسيا منذ سبع سنوات". 

إذا اعتقد البعض بخيالية المشروع الأممي "الطاقة الخضراء" , فسيكون من الصعب تفسير إتجاه ألمانيا وفرنسا نحو إغلاق وتفكيك محطاتهما لإنتاج الطاقة النووية التي تعمل على الغاز , قبل أن تبدأ الحرب على روسيا , ولأمكن في الوقت ذاته فهم إنخراط القادة الأوروبيين في الحرب على روسيا حتى النخاع , إن كان بالدعم المالي أو بالتسليح النوعي , والدعم السياسي والإعلامي , ولو على حساب شركاتهم ومصانعهم وشعوبهم , والمشاكل التي قد يتعرضون لها مع مواجهة برد الشتاء , مقابل الإصرار على "تدمير الإقتصاد الروسي" , وتأمين البدائل حالياً من مصادر أخرى , والإعلان الصريح عن الإتجاه نحو مصادر الطاقة البديلة. 

لا يمكن في سياق هذا الموضوع تجاهل التغيرات المناخية والبيئة والجفاف المفاجئ لبعض الأنهر حول العالم , وتساقط حبات البرد بغير أوقاتها وبأحجام غير مسبوقة في إسبانيا , والأمطار والسيول في بعض دول الخليج العربي , وغير مكان , ولا يمكن تبرئة بعض المشاريع الخفية على غرار مشروع هارب وغيره من التورط والمسؤولية عن تلك التغيرات والكوارث المحتملة , لخدمة المشاريع "الكبرى". 

إن تعزيز الإعتقاد بوجود خطةٍ ومشروعٍ جهنمي يستهدف روسيا وجميع الدول المنتجة للغاز والنفط , يفسر عدم اهتمام الدول الأوروبية الإعتماد على الغاز المسال قبل الأزمة الحالية , وعدم إمتلاكها لبنىً تحتية لإمدادها وتوريدها , وحاجتها لعدة سنوات لبنائها إن رغبت ذلك. 

من المؤكد أن الرهان الأمريكي والأوروبي والأوكراني , اعتقد بحربٍ سريعة خاطفة لا تتعدى بضعة أيام , يتم من خلالها كبح العملية الروسية وإلحاق الهزيمة العسكرية والسياسية بالكرملين والرئيس بوتين , بالإضافة إلى هزائم إقتصادية عبر العقوبات غير المسبوقة , والقرارات الأممية , ناهيك عن إعتقادهم بفعالية وحدة صفوف القوات الأوكرانية والميليشيات المتطرفة , وقوات الناتو , وبعض القوات الأوروبية , والصف الدولي , لوقف العملية العسكرية الروسية وهزيمتها دون منحها فرصة تحقيقها أي إنتصارات وأهداف عسكرية , لكن الإستعداد الروسي المسبق والجيد لهذه الحرب , قلب النتائج لصالح روسيا , ووضع أعدائها أمام الخيارات الصعبة , ونهاية حتمية للعدوان على روسيا وخطوط أنابيبها وتوريداتها , وإعادة فريق الحرب على روسيا إلى المربع الأول , وسط حاجتهم الماسة للتوريدات الروسية , أو الإنطلاق نحو حربٍ عالمية , لن تخسرها موسكو بالتأكيد.  

لقد كشفت هذه الحرب نوعين من القيادة الأوروبية , الأولى فرنسية متعالية وهمية , والثانية ألمانية بكامل قوتها وعضلاتها بمحركاتها الصدأة للمستشار شولتز ووزير الإقتصاد هابك , وما بين الزعامتين , أعلنت رئيس المفوضية الأوروبية , بعد اجتماع دول الـ G7 اليوم 2/ أيلول: "وضع سقفٍ لإسعار النفط والغاز الروسي" , ردت عليه روسيا بوقف توريداتها عبر خط الغاز نورد ستريم 1 لأجل غير مسمى تحت عنوان "الصيانة" , ما دفع رئيس المجلس الأوروبي لإطلاق تهديداته "بتسريع إستقلال أوروبا حيال الطاقة , وبدعم حرية أوكرانيا" , فيما أعلن ماكرون تشغيل كافة المحطات النووية الفرنسية كطاقة بديلة عن الغاز الروسي , علماً بأنه كان قد أمر بإغلاق 17 محطةٍ خلال ولايته الأولى , في حين لم يتوقف وزير الإقتصاد الألماني عن إطلاق التصريحات الطائشة , ووعوده بالعودة إلى تشغيل المحطات النووية الألمانية. 

على الرغم من سخونة الأجواء، لم تصدر أي مواقف أو تصريحات أميركية، حتى اللحظة، ما يعكس حجم الإرباك والإحراج الأميركي، خصوصاً أن الرئيس بايدن وعد حلفاءه الأوروبيين بتوفير البدائل من الغاز الروسي، لكنها وبطبيعة الحال تبدو مشغولة الليلة بشحن ناقلاتها من الغاز المسال نحو أوروبا، وبمراقبة العجز الأوروبي، على مستوى الواجهة الفرنسية، والعضلات الألمانية، والتفكير في الاستفادة أكثر فأكثر من خدماتهما "الجليلة".