لولا محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو 2016  لما حالف الحظ إردوغان في مشروعه لتغيير النظام السياسي وإحكام سيطرته على البلاد، والتخلص من جميع أعدائه ومعارضيه.

أحيت تركيا، الأربعاء، الذكرى الرابعة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 تموز/يوليو 2016، بعد 17 يوماً من الرسالة التي أرسلها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الرئيس بوتين، واعتذر فيها عن إسقاط الطائرة الروسية في الأجواء السورية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015. 

كان هذا الاعتذار بداية التنسيق والتعاون التركي - الروسي في سوريا، الذي بدأ باللقاء الاستراتيجي بين بوتين وإردوغان في بطرسبورغ في 9 آب/أغسطس، أي قبل أسبوعين من الضوء الأخضر الّذي أضاءه بوتين للقوات التركية، التي دخلت جرابلس في الذكرى الـ500 لدخول السلطان سليم سوريا بعد معركة مرج دابق في 24 آب/أغسطس 1516.

وكان التذكير بهذه المعطيات ضرورياً لما له من علاقة مباشرة بحادثة الانقلاب الفاشل، حيث تحدثت المعلومات الصحافية آنذاك عن دور روسي في إفشال الانقلاب، الذي قيل إنَّ أتباع وأنصار فتح الله غولان هم الذين قاموا به، وأدى إلى مقتل 241 مواطناً من العسكر والمدنيين. 

وجاء اغتيال السفير الروسي في أنقرة في 19 كانون الأول/ديسمبر 2016 من قبل أحد عناصر الأمن، وقيل إنه كان من أتباع غولان، ليثبت العلاقة المتشابكة بين كل المعطيات الآنفة الذكر، وخصوصاً بعد أن اتَّهم الإعلام الموالي لإردوغان آنذاك المخابرات الأميركية والإسرائيلية بالوقوف خلف محاولة الانقلاب الذي شكَّكت المعارضة في جديته.

ووصف زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار، في أكثر من حديث، الانقلاب بأنه "مدبر وتمثيلية"، وقال أول الثلاثاء الماضي: "إن إردوغان كان على علم مسبق بالانقلاب، لأنه وكل قيادات العدالة والتنمية، كانوا أصدقاء وحلفاء استراتيجيين وعقائديين لغولان، الذي أوصل إردوغان مع أتباعه وأنصاره خلال الفترة الماضية إلى ما وصلوا إليه من مناصب حساسة في الجيش والأمن وكل أجهزة الدولة".

وذكَّر كليجدار أوغلو "برفض الرئيس إردوغان تشكيل لجنة تقصي الحقائق للتحقيق في جميع ملابسات الانقلاب"، وقال: "منع إردوغان أيضاً وزير الدفاع خلوصي آكار، ورئيس المخابرات هاكان فيدان، من المثول أمام البرلمان والرد على أسئلة واستفسارات أعضائه في ما يتعلَّق بخفايا الانقلاب"، فيما ذكَّرت زعيمة الحزب الجيد، مارال أكشانار، "بالتنسيق والتعاون المشترك بين غولان وإردوغان للفترة الممتدة بين 2008-2012، وتم خلالها وضع المئات من جنرالات وضباط الجيش العلمانيين في السجون، بعد أن سمح إردوغان لأتباع غولان بالسيطرة على الجهاز القضائي".

كما اتّهم كل زعماء المعارضة والإعلام المعارض خلال الفترة الماضية الرئيس إردوغان "باستغلال الانقلاب لتحقيق أهدافه في السيطرة على جميع مؤسسات الدولة وأجهزتها ومرافقها، وخصوصاً الجيش والمخابرات والأمن والقضاء". وقال وزير الدفاع خلوصي آكار: "خلال السنوات الأربع الماضية، أقالوا وطردوا وحاكموا واعتقلوا ما مجموعه 24060 من قيادات الجيش والضباط وضباط الصف والعساكر، بتهمة العلاقة بالانقلاب الفاشل".

وقدّرت أوساط المعارضة عدد الذين اتهموا بشكل مباشر أو غير مباشر بالعلاقة بمحاولة الانقلاب، وتم طردهم من وظائفهم من مختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها ومرافقها، بمئات الآلاف من عناصر الأمن والمخابرات والقضاة ووكلاء النيابة وأساتذة الجامعات والمعلمين والموظفين في جميع الدوائر الحكومية، وتم توظيف أتباع وأنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم وشريكه حزب الحركة القومية بدلاً منهم.

وتمت خلال السنوات الأربع الماضية أيضاً مصادرة ممتلكات الشركات التي يملكها رجال أعمال موالون لغولان، الذي غادر تركيا إلى أميركا في آذار/مارس 1998، بعد شهر من اختطاف المخابرات الأميركية مع الموساد الإسرائيلي زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان من العاصمة الكينية نيروبي، وتسليمه إلى تركيا في 14 شباط/فبراير 1998. 

ولم تفكّر واشنطن طيلة الفترة الماضية في تسليم غولان لتركيا، على الرغم من طلباتها المتكرّرة وأحاديث الإعلام الموالي لإردوغان عن استمرار الحماية الأميركية له، وهو الذي قام أتباعه في الأمن في أواسط كانون الأول/يناير 2013 بتسريب العديد من التسجيلات الصوتية للرئيس إردوغان مع أولاده وبعض الوزراء، تتعلّق بعمليات فساد خطيرة جداً.

وكان بعض هذه التسجيلات من مكتب وزير الخارجية داوود أوغلو، خلال حديثه إلى القيادات العسكرية والاستخباراتية عن خطة لاجتياح سوريا. وتبيَّن في ما بعد أنَّ أتباع غولان في الأمن تنصَّتوا على مكالمات جميع المسؤولين الأتراك، سواء السياسيون منهم أو العسكر، بمن فيهم إردوغان وعبد الله غول وقيادات الجيش، بل والصحافيون أيضاً. وقال الإعلام الموالي لإردوغان إن كل هذه التسجيلات أصبحت في يد أجهزة المخابرات الدولية.

ولم يكتفِ إردوغان بكل ما قام به ضد أتباع غولان وأنصاره، من خلال القرارات التي أصدرها بعد إعلان حالة الطوارئ التي استغلَّها في حربه على جميع معارضيه خلال الاستفتاء الشعبي في 16 نيسان/أبريل 2017، وهو ما ساعده على تغيير الدستور، ليصبح النظام السياسي رئاسياً بدلاً من البرلماني.

واتّهم زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، رئيس وأعضاء الهيئة العليا للانتخابات بتزوير نتائج الاستفتاء، وتسجيل 2,5 مليون صوت لصالح التعديلات، فتحوَّل إردوغان بعدها، وخلال السنوات الثلاث الماضية، إلى حاكم مطلق للبلاد، بعد أن سيطر على جميع مرافق الدولة، وأهمها الجيش والمخابرات والأمن والمال والقضاء والإعلام الخاص والحكومي، وهو الآن، وبقوة هذه الأجهزة والمال، يسعى إلى فرض سياساته الداخلية والخارجية وأجندته الشخصية وإيديولوجيته الدينية على الدولة والمجتمع، ويسعى إلى أسلمتها تماماً.

وتعتبر المعارضة "نهج إردوغان هذا جزءاً مكملاً لسياساته الخارجية"، ما دام يسعى لكسب جميع الإسلاميين في العالم إلى جانبه في مشروعه الأكبر لإحياء ذكريات السلطنة والخلافة العثمانية الإسلامية التركية التي سعى من أجلها غولان أيضاً، ولو بشكل آخر يختلف أيضاً عن نهج الرئيس الأسبق تورغوت أوزال، الذي تحدث بعد تمزق الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا عن "أمة تركية واحدة من البحر الأدرياتيكي إلى سد الصين المنيع".

ولم يهمل أوزال، ومن بعده غولان وإردوغان، الحوار، بل التنسيق والتعاون، وأحياناً التحالف مع أميركا، التي كان لها دائماً تأثير مباشر أو غير مباشر في مجمل تطورات الواقع السياسي التركي الداخلي، وهو ما يفسر الأزمة بين غولان وحليفه العقائدي إردوغان، الذي تبنّى مع إسبانيا مشروع تحالف الحضارات، فيما كان الأول من دعاة حوار الأديان، وكلاهما مشروعان أميركيان يهدفان إلى تسويق "إسرائيل" إقليمياً ودولياً. وكما هو الحال في مشروع الشرق الأوسط الكبير، وكان "الربيع العربي" حلقته الثانية التي جعلت من تركيا لاعباً رئيسياً في مجمل أحداث وتطورات المنطقة العربية التي تعيش في دوامة مشاكلها الداخلية.

واستغلَّ الرئيس إردوغان هذه المشاكل، وما أدت إليه من فراغ سياسي وعقائدي وفكري، فسعى إلى تحقيق المزيد من أهدافه الاستراتيجية. كل ذلك بفضل محاولة الانقلاب الفاشلة، التي لولاها لما حالفه الحظ في مشروعه لتغيير النظام السياسي وإحكام سيطرته على كل صغيرة وكبيرة في البلاد، وهو ما ساعده على التخلص من جميع أعدائه ومعارضيه، وما تبقى منهم لم يعودوا يشكلون خطراً عليه، ما دام قد أثبت حنكته السياسية في الرهان على التوازن الإقليمي والدولي بين بوتين وترامب. 

ويعتقد بوتين أن إردوغان حليفه، ويقول ترامب إنه صديقه، والعكس صحيح. يبقى هذا معلّقاً إلى أن يثبت إردوغان لهما وللجميع أن لا صديق أو حليف له إلا نفسه، وهو ما يفسر خلافه أو عداءه لجميع رفاق دربه طيلة السنوات العشرين الماضية، ومنهم عبد الله غول، وأحمد داود أوغلو، وعلي باباجان، ومعظم مؤسسي العدالة والتنمية، بل وحتى فتح الله غولان، الذي كان "شيخ" الجميع، فتخلص منه إردوغان عندما أحسّ (هكذا قيل) بأنّه يخطّط للعودة إلى تركيا، كما عاد الإمام الخميني إلى إيران في شباط/فبراير 1979، فحرَّضت أميركا صدام حسين لشن عدوانه عليها في آب/أغسطس 1980، ثم طلبت بعد شهر من ذلك من الجنرالات القيام بانقلابهم الناجح في أنقرة، وجاء لاحقاً انقلاب مماثل في باكستان، بحجة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. 

وما زالت المنطقة برمّتها تعيش تبعات هذه السنوات الغامضة، بعد أن أدخلت واشنطن على الخط القاعدة وطالبان، وبالمال السعودي والإماراتي، فتكرر السيناريو مع داعش والنصرة وأمثالهما خلال "الربيع العربي"، ومن قبله وبعده الكثير من الحكايات والقصص الدموية، وفيها ما يكفي من الأدوار والعبر لمن يشاء!

الميادين نت