خرجت من دمشق متجهاً إلى الساحل، حيث ضيعتنا في جبال القدموس وفي الذهن فاكهة التين والعنب البلدي إلا أن المفاجأة التي وجدتها في بقاليات المنطقة، أخذتني إلى عالم آخر زاد من شعوري “بالشوب”، حيث وجدت الثمار الاستوائية مثل البابايا والأفوكادو والشوكولاته والليتشي والموز وثماراً أخرى لم أذكرها لأنني قد أكون سمعتها بشكل خاطئ من صاحب البقالية الذي استعرضها أمامي على عجل وبنوع من التباهي وأعتقد أنه كان يقول في ذهنه، “وين عايش أنت ؟”، وللأمانة أحببت بعض الأسماء مثل البابايا والليتشي وتذكرت ياسين ضيعتنا عندما ذهب إلى الجيش وسمع بكلمة “دشمة ” فأعجبته من دون أن يعرف معناها، إذ كان يحدث الشباب في الضيعة بأن العميد جلب ثلاث ” دشمات” إلى حقل السواقة وسيدربهم على قيادتها، وهكذا حصل معي عندما استعرض صاحب البقالية أنواع الفواكه، فأعجبتني الليتشي والبابايا ولكن لا أعرف طعمها ولا طريقة أكلها ولا أي هي من الفواكه المعروضة ، وخجلت من السؤال عن ذلك لعلني أحفظ لنفسي بعض التميز أمام ابن الضيعة كوني مقيماً في العاصمة، وعليه أبقيت في ذهني التين والعنب اللذين لم أجدهما في البقالية.

خلال السنوات التي سبقت الأزمة أدخلت الدولة كل الخدمات والتقنيات إلى الأرياف حتى أصبحت القرى كالمدن بخدماتها وبريستيجها وهجر الناس الزراعة وتربية الحيوانات وتغير نمط الحياة، و لكن مع وقوع الأزمة وامتدادها لسنوات كثيرة حاول الناس العودة إلى ما سبق بعد فقدان كل شيء، ولكن ذلك كان مستحيلاً، ضاعت الوفرة ونفدت المدخرات، الأمر الذي دفع الناس للبحث عن كفاية فضاعت الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، وكذلك حياة المدينة اختلطت طقوسها ومفرداتها بالريف الأمر الذي أنتج مجتمعات غريبة عن طبيعتها ونمطها.

يعيش سكان ساحل المتوسط من إيطاليا إلى اليونان إلى اسبانيا إلى فرنسا على الحمضيات والزيتون والخضار المحمية، فيما يعيش سكان الجبال الساحلية على صناعات منزلية مثل تصنيع ألبان وأجبان الماعز والنبيذ والصابون والنباتات الطبية وبمتواليات ومصفوفات دقيقة واضحة ضمنت تلازم القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والإنتاج مع التصنيع ، الأمر الذي نتج عنه تنظيم تنافسي في الكميات والجودة ضمنت حياة مستقرة مع وضع معيشي جيد وسمعة طيبة تجاوزت جغرافيتها.

الحيازات الصغيرة بمنتجات متنوعة تضمن لحد معين كفاية، ولكنها لا تضمن وفرة إنتاج وتحسين وضع معيشي ولا تشكيل اقتصاد، وما لم يدخل التنظيم والإشراف على حياتنا سيستمر التدهور ويتراجع الإنتاج وسنفقد التميز والخصوصية، وسنأكل ليتشي وبابايا محلية ونستورد ثوماً وبرتقالاً مصرياً وبطاطا لبنانية وتفاحاً إيطالياً وجبنة فرنسية وقطناً صينياً، وزيتاً إيرانياً وزعتراً أردنياً.

راحت أيام الدولة الراعية لكل شيء، ولم نستطع الانتقال إلى نمط التنظيم، وتحول الجميع إلى باحث عن فرصته بأي سبيل استطاع وهذا جعل أزمتنا في تفاقم رغم امتلاكنا مقومات بناء ما خربه الإرهاب وأطاح به الحصار والعقوبات.