ميشيل كلاغاصي 

 

اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , وضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية , وفرض ضرائب جديدة باعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة ، بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز، "بما يساعد الدول الأعضاء على شراء الغاز لإنتاج الكهرباء"... ويعكس اقتراحها مصلحة ألمانيا على حساب فرنسا واّخرين , وأثار غضبهم. 

لم تعبّر العلاقات الفرنسية البريطانية عبر التاريخ عن علاقاتٍ جيدة وحسن جوار , على الرغم من التاريخ الطويل الذي جمعهما معاً أو وجهاً لوجه , واتسمت علاقاتهما بالتعقيد والتوترات والخلافات , وخاضا بسببها عدة حروب ومواجهات على امتداد سنوات العصور الوسطى ، كدولتين عدوتين , كحرب المائة عام ، وحروب الثورة الفرنسية ، وحرب السنوات السبع , والحروب "النابليونية". 

ومع ذلك فقد السلام حل بينهما مع توقيعهما ما عرف بإلاتفاق الودي عام 1904، وتحالفا ضد ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وساهمت الجيوش البريطانية ، في تحرير فرنسا من النازيين , ووقفتا خلال الحرب الباردة ، في وجه الإتحاد السوفييتي ، وكانتا من بين الأعضاء المؤسسين لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة , لكن هذا لم يمنع استمرار الإختلاف حول عديد القضايا البينية والأوروبية والعالمية , وغالباً ما يُشار إليهما على أنهما "الخصمين التاريخيين".  

وفي العصر الحديث استمرت الخلافات في فترة حكم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ، والرئيس الفرنسي شارل ديغول ، على  الرغم من انتصارهما على النازية , نتيجة سعي كلٌ منهما إلى قيادة أوروبا ، ولكن التوجهات والمسارات المختلفة والمتضادة بينهما لتحقيق ذلك حدد تشكل العلاقة بين قادة البلدين إلى يومنا هذا. 

وتأثرت علاقات البلدين بشكلٍ كبير مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي , خصوصاً مع إعتبار باريس أن لندن لم تلتزم بالإتفاق المنصوص عليه بعد البريكست ، والذي يقضي بالسماح للصيادين الأوروبيين بمواصلة العمل في جزء من المياه التابعة لبريطانيا , الأمر الذي تطور لاحقاً وأدى إلى لنشوب نزاعٍ حاد بينهما , خصوصاً أن المياه في محيط جزيرة جيرسي البريطانية والقريبة من السواحل الفرنسية باّنٍ واحد غنية بالأسماك , ناهيك عن الأزمة الدبلوماسية الحادة بينهما على خلفية إتفاق "أوكوس" الذي أبرمته بريطانيا مع استراليا والولايات المتحدة ، والذي تم بموجبه إلغاء استراليا صفقة الغواصات المبرمة مسبقاً مع فرنسا , الأمر الذي أغضب فرنسا وألحق بها الضرر الكبير. 

ولم تتوقف العدائية بين البلدين , وانتهى لقاء بوريس جونسون بالرئيس ماكرون في 24 تشرين الثاني / نوفمبر عام 2021, حول قضية غرق 27 مهاجراً أثناء محاولتهم عبور بحر المانش ، بدون أي إتفاق , وعلى إثر هذا اللقاء وصف الرئيس ماكرون جاره الإنكليزي بوريس جونسون بـ"المهرج" ... أمورٌ بمجملها تؤكد أن فرنسا وبريطانيا , جارين وحليفين استراتيجيين ، لكنهما يقفان على طرفي نقيض.   

ومع إعلان تشارلز الملك البريطاني الجديد , أن زيارته الأولى ستكون إلى فرنسا , يطرح السؤال نفسه , هل تعود بريطانيا وفرنسا إلى "الود" ثانيةً ، وهل يحمل لقاء ماكرون – تروس , على هامش لقاءات الجمعية العمومية للأمم المتحدة , دلالة ما ؟, بالتوازي مع تطلعات العديد من الفرنسيين نحو علاقاتٍ وثيقة مع بريطانيا ، تؤدي من النتيجة إلى الإبتعاد التدريجي عن ألمانيا , بفضل بهمسٍ فرنسي تحول إلى بوحٍ علني , أطلقته مارين لوبان عام 2021 , بـ "إبعاد الفرنسيين عن ألمانيا لصالح علاقات وثيقة مع بريطانيا" , نتيجة إعتقادها بالتأثير الألماني السلبي على الإقتصاد الفرنسي. 

الأمر الذي يعززه السلوك الألماني خلال أزمة الطاقة الحالية , بعدما كشف تقرير لمركز الأبحاث الأوروبي ، إتجاه ألمانيا منذ أكثر من 20 عام نحو مشاريع الطاقة البديلة على حساب الطاقة النووية , السياسة التي صدقها ودعمها ماكرون وسار بها , وأغلق 17 محطة نووية خلال فترة حكمه الأولى , واليوم تدفع فرنسا ثمن هذا الخطأ , في وقتٍ لا يزال ماكرون يصر على مشاريع الطاقة الخضراء , وابتهج مغرداً قبل أيام على موقعه على تويتر , ومتباهياً بتدشين مشروع صغير للمراوح الهوائية لتشغيل توربينات إنتاج الكهرباء ويقول أنها "ستعين الفرنسيين في هذا الشتاء" !, وهو يعلم تماماً أن المشروع لا يمكنه تعويض الغاز الروسي , وقد نال نصيبه من السخرية والتعليقات القاسية من المتابعين . 

بالإضافة للمقترح الغريب الذي أطلقته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , بوضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية ، وبفرض ضرائب جديدة , بإعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة , بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز , "بما يساعد الدول الأعضاء التي يتعين عليها شراء الغاز لإنتاج الكهرباء مثل ألمانيا" , بالتأكيد يعكس اقتراحها مصلحةً ألمانيا على حساب فرنسا وغيرها. 

في وقتٍ يرى بعض الفرنسيين , أنه على ألمانيا تحمل مسؤولية ونتائج قراراتها الخاطئة على مدى 20 عام وليس على حساب الاّخرين , خصوصاً , وأن هذه الإستراتيجية الألمانية تم فضحها في كتاب نُشر حديثاً , للنائب الفرنسي ورئيس الجمعية الوطنية الفرنسية السابق , برنارد أكوير, تحت عنوان "محاولة لإفشال الصناعة النووية الفرنسية", تحدث فيه عن تاّمر ميركل بدعم من الإتحاد الأوروبي وحزب الخضر الفرنسي على فرنسا , عن طريق فرض تشريعات أوروبية تساعد منتجي الطاقة والكهرباء عبر المحطات النووية على الإنتاج بأسعارٍ منخفضة , كذلك النصحية التي قدمها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للمستشارة ميركل عام 2007 , بعدم تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية , لرغبته بأن يكون لفرنسا وألمانيا طموحات موحدة حيال الطاقة , لكن ميركل رفضت الإنصات لنصائحه , وتقدمت بعد أربع سنوات نحو الإلغاء التدريجي لجميع المفاعلات النووية الألمانية السبعة عشر ، وأطلقت في الوقت نفسه حملة للضغط على فرنسا لتحذو حذوها. 

ويرى البعض أن الفرنسيين لم يتمكنوا من كف يد ألمانيا عن محاولات أذيتهم , بسبب ضعف من تعاقبوا على حكم فرنسا ( فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون )، الذين ساروا وفق استراتيجية الطاقة الألمانية التي تخدم مصالح برلين , ولكنها تضرب مصالح فرنسا , لدرجة إعلان الرئيس ماكرون عن إعجابه بمقترح رئيسة المفوضية الأوروبية , واتفق مع شولتز على أن ترسل فرنسا 5% من احتياطياتها من الغاز إلى ألمانيا مع بداية الشهر المقبل ، وستحصل فرنسا بالمقابل على الكهرباء من ألمانيا.  

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن تصدعات وشروخ في العلاقات الفرنسية الألمانية , وبحسب مارين لوبان واّخرين , يبدو أنه "اّن الأوان كي تبحث فرنسا عن شركاء أوروبيين آخرين" , وقد تكون بريطانيا وجهتهم القادمة.